marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الأول: ميلاد الحركة الماركسية الروسية

حركة العمال اليهود


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

ومن المفارقات أن النظام القيصري كان هو من شجع التنمية الصناعية في بولندا ليجعل منها ما يشبه "نافذة متجر"، وفي محاولة يائسة منه كذلك لدرء تطور الحركة القومية. لكن تطور الصناعة بالذات هو ما أدى إلى تقويض النظام وخلق موجة من الاستياء في البلدات والمدن بالمناطق الحدودية الغربية لروسيا. كانت ظروف العمل مروعة والأجور هزيلة، بينما كانت الأرباح تتراوح عادة ما بين 40% و50%، ولم يكن من الغريب تحقيق 100% من الأرباح. خلق استغلال العمال الوحشي هذا ظروفا مواتية لانتشار الدعاية الاشتراكية. وفي خضم الردة الرجعية القاتمة، تأسس الحزب المعروف باسم البروليتاريا، "باكورة الحركة الاشتراكية الحديثة في بولندا"[1]، على يد الطالب لودفيغ فارجينسكي. شكلت مجموعة الطلاب الاشتراكيين التي أسسها فارجينسكي حلقات للعمال وأنوية نقابات عمالية جنينية. وفي عام 1882، التأمت المجموعات المختلفة لتشكيل منظمة البروليتاريا، والتي قادت سلسلة من الإضرابات، بلغت ذروتها في الإضراب الجماهيري في وارسو، والذي تعرض لقمع شرس من قبل قوات القمع. حكم على العديد من قادة منظمة البروليتاريا بفترات طويلة من السجن. وشنق أربعة منهم. لم يكن حظ فارجينسكي أفضل، إذ حكم عليه بالسجن لمدة 16 عاما مع الأعمال الشاقة، في قلعة شلوسيلبورغ الشهيرة بالقرب من سان بطرسبورغ، حيث مات ميتة بطيئة.

بعد هذه الاعتقالات، تحولت منظمة البروليتاريا عمليا إلى أشلاء. وفي الوقت الذي انضمت فيه الشابة روزا لوكسمبورغ إلى الحركة، لم يكن قد بقي منها سوى بعض الأطلال فقط. استخدم ليو يوغيش، ابن عائلة يهودية ثرية، ثروته الشخصية الكبيرة لتمويل بناء مجموعة اشتراكية جديدة في فيلنا في عام 1885. لعب الاشتراكيون الديمقراطيون بفيلنا لاحقا دورا رائدا، وطوروا أسلوب التحريض الجماهيري بين العمال، والذي اتبعه الماركسيون لاحقا في جميع أنحاء روسيا. استفادت قوات البروليتاريا البولندية الفتية من دفعة قوية من طرف قوات الطبقة العاملة اليهودية التي كانت قد استيقظت للنضال حديثا.

عاشت غالبية اليهود في بولندا والمحافظات الغربية، التي كانت قد أعلنت ابتداء من عام 1881 بكونها المكان الوحيد الذي يسمح لليهود بالعيش فيه. في عام 1886 طرد اليهود بشكل جماعي من جميع الوظائف الإدارية واستبعدوا من معظم المهن. لم يسمح سوى لـ 10% من اليهود فقط بالالتحاق بالجامعة (05% في موسكو وسان بطرسبورغ). وابتداء من عام 1887، تم تطبيق نفس القاعدة على المدارس الثانوية. وفي عام 1888، تم تسجيل كل اليهود الذين يستلمون منحة دراسية حكومية كمسيحيين أرثوذكس. كان الأطفال يُعمَّدون ضد رغبات آبائهم. اليهود الذين صاروا أرثوذكس كان يفرض عليهم الطلاق دون أي طلب منهم. وفرضت ضرائب خاصة على المعابد ولحوم الكوشير. وفي محاولة منها لتقسيم وإرباك العمال، نظمت السلطات مذابح دموية ضد اليهود؛ نهبت المنازل وقتل الرجال والنساء والأطفال وشوهوا من قبل غوغاء من حثالة البروليتاريا بالتواطؤ مع الشرطة.

كان السكان اليهود في هذه المناطق، الذين كان أغلبهم من الحرفيين والتجار الصغار، يعيشون بشكل دائم على حافة الهاوية. وقد وفرت الفئة الأكثر اضطهادا في المجتمع، أي العمال والحرفيون اليهود، أرضا خصبة بطبيعة الحال لانتشار الأفكار الثورية. وليس من قبيل المصادفة أن الثوريين اليهود وفروا للحركة الماركسية عددا من القادة أكبر من نسبة الحجم الذي كانوا يمثلونه داخل المجتمع. مدينة فيلنا، بتركيزها الكبير من العمال والحرفيين اليهود، كانت واحدة من أولى معاقل الحركة الاشتراكية الديمقراطية في الإمبراطورية الروسية. ابتداء من عام 1881 وصولا إلى ثورة أكتوبر، كان اندلاع تلك الأعمال الوحشية الهمجية العنصرية تهديدا دائما معلقا فوق رؤوس الشعب اليهودي. حرض مرتكبوا المذابح الفئات المتخلفة من بين الفلاحين البولنديين والروس ضد اليهود، مستغلين في ذلك النعرات الدينية (غالبا ما كان يتم اختيار مناسبة عيد الفصح لتنظيم تلك المذابح)، وكراهية التاجر ومقرض المال اليهودي. لكن الأغلبية الساحقة من اليهود كانوا عمالا وحرفيين فقراء. في عام 1888، ذكرت لجنة حكومية أن 90% من اليهود هم "كتلة تعيش على حد الكفاف، وسط الفقر وأسوء الظروف الصحية. وحتى البروليتاريا نفسها تشكل أحيانا هدفا للانتفاضات الشعبية الصاخبة [أي المذابح]...".[2]

لحركة العمال اليهود في غرب روسيا وبولندا وليتوانيا تاريخ طويل. لقد خلقت موجة الإضرابات التي اجتاحت هذه المناطق ابتداء من عام 1892 غليانا كبيرا بين جميع القوميات المضطهدة، وخاصة اليهود، الذين عانوا من الاضطهاد القومي الأكثر تطرفا. بدأت الحياة الثقافية تظهر على شكل نهضة قومية. والمثقفون اليهود الذين تحرروا من ثقل ثقافة متحجرة استمرت لـ 2000 سنة، صاروا منفتحين على أكثر الأفكار راديكالية وثورية. وبدلا من نزعة التفرد والانعزالية القديمة، سعوا بشغف للاتصال مع الثقافات الأخرى، ولا سيما الثقافة الروسية. ومنذ عام 1885، ساهم قسم من طلاب اليشيفا (yesivah)[*] الفقراء، الذين كانوا يتعلمون ليصيروا حاخامات، في تأسيس المنظمة النارودنية الثورية في فيلنا. ثم صار العمال اليهود المنخرطون في النضال يتعلمون بشغف اللغة الروسية من أجل قراءة الكتب واكتشاف الأفكار الجديدة بأنفسهم.

قام العمال اليهود بتأسيس جمعيات صداقة (كاسي kassy)، والتي كانت تجمع الأموال من اجل المنفعة المتبادلة منذ وقت طويل - ربما منذ طرد اليهود من الاتحادات المهنية في ألمانيا وبولندا-. تعود طريقة تنظيم هياكلها إلى اتحادات القرون الوسطى نفسها، أو الاتحادات الحرفية البريطانية الأولى، بطقوسها وعطلها السنوية والسرية الصارمة فيما يتعلق بجميع شؤونها. وكان الحرفيون والعمال المنظمون في kassy محافظين في أفكارهم، ومعادون للأفكار الاشتراكية ومرتبطون عادة بالكنيس. لكن العبئ المزدوج الذي كان على العمال اليهود تحمله، حيث كانوا يعانون من الاضطهاد كعمال وكيهود، خلق ظروفا مواتية للغاية لانتشار الأفكار الثورية والاشتراكية بينهم. كتب أكيموف: "اجتاحت حركة عفوية أعماق المجتمع اليهودي، مثل رياح قوية، من خلال الفئات التي كانت تبدو جامدة وغير قادرة على فهم أية أفكار واعية أو توجيه نفسها بها"[3]. ولهذا السبب بالتحديد، لعب العمال والمثقفون الاشتراكيون اليهود دورا في الحركة الثورية الروسية أكبر بكثير من حجمهم العددي.

لم تكن الأموال التي يتم جمعها من قبل kassy تستعمل فقط لتقديم الإعانات للمرضى وما شابه ذلك، بل أيضا لشراء نسخ من التوراة! لكن في ظل المناخ الجديد للصراع الطبقي، استخدمت أموال العمال على نحو متزايد لدعم نزاعات العمل. أول إضراب موثق للعمال اليهود حدث في فيلنا عام 1882، وكان إضرابا لعمال الغزل والنسيج، والذي لعبت فيه النساء إلى حد كبير دورا رئيسيا. كانت العناصر الأكثر نشاطا هي الحرفيون اليهود وصاغة المجوهرات وصناع الأقفال والخياطون والنجارون وعمال المطابع وصناع الأحذية. ومع مطلع عام 1895، كانت هناك 27 منظمة حرفية في فيلنا وحدها، تضم ما مجموعه 962 عضوا. "داخل الحركة العمالية اليهودية نفسها، كان الحرفيون هم من يشكلون الطليعة، وورائهم جاء عمال مصنع السجائر وأعواد الثقاب". هذه التركيبة الطبقية للحركة العمالية اليهودية، كانت بلا شك عاملا من عوامل الدور المحافظ الذي لعبته المنظمة اليهودية: البوند، في السنوات الأولى للحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي.

كانت الفئات الأكثر تقدما داخل المجتمع اليهودي بعيدة عن التأثر بتلك النزعة القومية اليهودية التي دعا إليها الصهاينة في وقت لاحق. بل على العكس من ذلك، فقد رأت خلاص الشعب اليهودي في رفض النزعة التقليدية القديمة والدخول في صلب الحياة الثقافية والسياسية الروسية. كتب ناشط اشتراكي في تلك الفترة: "لقد كنا من دعاة التعايش، لم نكن حتى نتخيل حركة جماهيرية يهودية منفصلة. لقد رأينا مهمتنا هي إعداد الكوادر للحركة الثورية الروسية، وتكييف تلك الكوادر مع الثقافة الروسية"[4]. ارتدى اليهود الاشتراكيون الديمقراطيون اللباس الروسي وحملوا الكتب الروسية وتحدثوا الروسية قدر الإمكان.

داخل الحلقات الاشتراكية استيقظ جيل كامل من الشباب اليهودي على الحياة السياسية والثقافية. والشيء الأكثر إثارة للاعجاب هو شجاعة الفتيات اليهوديات الشابات ذوات الأصول العمالية، اللائي كن مصممات على المشاركة في الحركة، على الرغم من العداء التام الذي واجهنه من طرف الشيوخ. قالت إحدى المشاركات: "أتذكرهن الآن، عاملات مصنع الصناديق وعاملات مصنع الصابون وعاملات مصنع السكر، عضوات الحلقة التي كنت أسيرها... شاحبات، هزيلات، بأعين حمراء، وعليهن علامات تعرضهن للضرب، ومنهكات بشكل رهيب. كن يجتمعن في وقت متأخر من المساء. وكنا نجلس حتى الساعة الواحدة صباحا في غرفة سيئة التهوية مع مصباح غاز صغير مشتعل. وفي كثير من الأحيان كان الأطفال الصغار ينامون في نفس الغرفة وكانت نساء المنزل منتبهات لخطر هجوم الشرطة. كانت الفتيات تستمعن إلى النقاش وتطرحن الأسئلة، ينسين تماما المخاطر، وينسين أن الوصول إلى منزلهن سيحتاج منهن ثلاثة أرباع الساعة، ملفوفات في معاطف بالية باردة ممزقة، عبر الوحل والثلوج الكثيفة؛ وأنه عليهن أن يطرقن الباب ويتحملن سيلا من الشتائم واللعنات من طرف آبائهن؛ وأنه يمكن ألا يجدن في المنزل ولو قطعة من الخبز وسيكون عليهن أن يذهبن إلى النوم جائعات... ثم ينهضن بعد بضع ساعات ليسرعن إلى العمل. رغم كل ذلك كن يستمعن بشغف إلى العروض حول التاريخ الثقافي، وفائض القيمة... والأجور، والحياة في بلدان أخرى... كم كانت عيونهن تضيء بالفرحة عندما يقدم مسير/ة الحلقة عددا جديدا من جريدة ييديشير أربايتر (Yidisher Arbayter)[**] وأربايتر شتيم (Arbayter Shtimme)[***]، أو حتى منشورا جديدا! كم من المآسي كانت تلك العاملات الشابات يعانينها في منازلهن عندما يتم اكتشاف أنهن يخالطن مجموعات الأخوديسنيكرز (Akhudusnikers)، ''الإخوة والأخوات''، وأنهن يقرأن الكتب الممنوعة؛ كم من الشتائم واللكمات والدموع! إلا أن كل ذلك لم يكن يجدي نفعا. كانت الأمهات تشتكين الوضع لبعضهن البعض قائلات: " ذلك يجذبهن مثل المغناطيس".".

هنا، في ليتوانيا وروسيا البيضاء، كان العمال اليهود والمثقفون اليهود المتشبعون كليا بالثقافة الروسية ينظمون نوعا من التحريض أوسع نطاقا بكثير من نشاط الدعاية المحدود الذي كان يتم في بقية روسيا. كانوا يصدرون منشورات وكتبا بلغة جماهير العمال اليهود - اليديشية (لغة اليهود الذين يعيشون في ألمانيا وبولونيا والجزء الغربي من روسيا، تقوم أساسا على اللغة الألمانية، رغم أنها تتضمن العديد من العبارات العبرية)[****] - والتي كانت تتطرق للمطالب الملحة للجماهير. في هذا الوقت، جاء طالب يبلغ من العمر 19 عاما، يدعى يوري مارتوف، كان قد طرد من سان بطرسبورغ بسبب نشاطه الثوري، ووصل إلى فيلنا، التي كانت بالفعل مركزا مزدهرا للحركة الاشتراكية الديمقراطية. يتذكر مارتوف كيف أثيرت مسألة التحريض من قبل العمال أنفسهم، حيث أقنعوا الماركسيين بأن يتجاوزوا حدود العمل داخل الحلقات، وكتب قائلا: "في عملي، دخلت في نقاشين مفصلين حول أهداف وأساليب الحركة الاشتراكية، لكن الحياة الحقيقية استمرت في التدخل... فإما أن أعضاء الحلقة يثيرون هم أنفسهم مسألة بعض الأحداث التي وقعت في مصنعهم... أو أن يظهر شخص ما من معمل آخر ويكون علينا قضاء الوقت في مناقشة الأوضاع هناك".[5]

نجاح مجموعة فيلنا شجع أعضائها على نشر كتيب بعنوان: "حول التحريض"، كتبه أركادي كريمر ومارتوف، وتسبب في ضجة في ذلك الوقت، وأصبح يعرف باسم "برنامج فيلنا". تلك الوثيقة، وعلى الرغم من آثار "النزعة العفوية" المتضمنة فيها، فإن فكرتها المركزية بأن مهمة تحرر الطبقة العاملة يجب أن تكون من صنع العمال أنفسهم، قد أثارت الكثير من الاهتمام في الفترة ما بين 1893-1897، عندما كانت تجري نقاشات حامية في كل مكان حول الانتقال إلى التحريض. لقد مثلت أساسا رد فعل صحي ضد عقلية "الحلقات الصغرى" الضيقة، ورغبة في إقامة اتصالات مع الجماهير. وجه الكتيب الجديد تحديا جريئا للظروف القائمة، إذ أعلن: "إن الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية تسير في الطريق الخطأ. لقد حصرت نفسها في حلقات مغلقة. ينبغي عليها الاستماع لنبض الحشود وقيادتها. يمكن للحركة الاشتراكية الديمقراطية ويجب عليها قيادة الجماهير العاملة لأن نضال البروليتاريا يؤدي حتما إلى نفس الهدف ونفس المثل التي اختارها الاشتراكيون الديمقراطيون الثوريون بوعي".[6]

هوامش:

[1] P. Frolich, Rosa Luxemburg, p. 20.

[2] Nora Levin, Jewish Socialist Movements 1871-1917, p. 16.

[3] V. Akimov, On the Dilemmas of Russian Marxism 1895-1903, p. 209.

[4] منقول في: N. Levin, op. cit., pp. 226 - 234.

[5] نفس المصدر، كلا الاستشهادين من الصفحة 240.

[6] Ibid., pp. 240-1.

* اليشيفا مدارس يهودية لتدريس الكتب المقدسة عند اليهود (التلمود والتوراة) -المترجم-

** ييديشير أربايتر: "العامل اليهودي"، اسم جريدة كانت تصدرها الحركة الاشتراكية اليهودية آنذاك. -المترجم-

*** أربايتر شتيم: "صوت العامل"، اسم جريدة كانت تصدرها الحركة الاشتراكية اليهودية آنذاك. -المترجم-

**** توضيح موجودة في الترجمة الاسبانية، ص: 93.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا