marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

 
الثورة المغدورة

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الأول: ميلاد الحركة الماركسية الروسية

"الأرض والحرية"


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

في تلك الأثناء كان من تبقى من الحركة النارودنية يحاولون إعادة تجميع قواتهم في المدن تحت راية جديدة. في عام 1876 تم تأسيس منظمة زيمليا إ فوليا من طرف نتانسونس والكسندر ميخائيلوف وجورج بليخانوف. كانت المنظمة السرية الجديدة بقيادة مجلس عام مع لجنة تنفيذية منتخبة أصغر (أو المركز الإداري). وتحت قيادة هذه الهيئات كان هناك قطاع الفلاحين وقطاع العمال وقطاع الشباب (الطلاب)، إضافة إلى جناح عسكري "للحماية ضد الممارسات التعسفية للبوليس". استند برنامج زيمليا إ فوليا على فكرة مشوشة حول "اشتراكية الفلاحين"، وتحويل كل الأرض إلى ملكية الفلاحين وضمان حق تقرير المصير لجميع أجزاء الإمبراطورية الروسية. نادوا بأن تكون السلطة في روسيا في يد كومونات فلاحية ذات حكم ذاتي. إلا أن كل هذا كان خاضعا للهدف المركزي المتمثل في الإطاحة الثورية بالحكم المطلق، والتي كان من المقرر أن تنفذ "بأسرع وقت ممكن"، وكان ذلك التسرع الشديد راجع إلى فكرة منع تقويض كومونات الفلاحين (المير) بفعل التطور الرأسمالي! وبالتالي، فإن الآباء الأصليين لفكرة "الاشتراكية في بلد واحد" كانوا هم النارودنيون، الذين سعوا لتخليص المجتمع من ويلات الرأسمالية من خلال تبني فكرة وجود "مسار خاص للتطور التاريخي" بالنسبة لروسيا، على أساس تفرد مفترض لفلاحي روسيا ومؤسساتها الاجتماعية.

شعار منظمة زيمليا إ فوليا (الأرض والحرية)

في السادس من دجنبر عام 1876، خرجت مظاهرة غير قانونية ضمت حوالي 500 متظاهر - أغلبهم من الطلاب - على بعد خطوات من كاتدرائية كازان، حيث رفعت شعارات "الأرض والحرية" و"تحيا الثورة الاشتراكية!"، واستمع المتظاهرون لخطاب طالب يبلغ من العمر 21 سنة، يدعى جورج بليخانوف، الذي تسبب له خطابه الثوري في سنوات من المنفى والعمل السري. بليخانوف الذي ولد عام 1855، لعائلة أرستقراطية من تامبوف، كان مثله مثل كثير من أبناء جيله، قد تربى نظريا على قاعدة كتابات مدرسة عظيمة من المؤلفين الديمقراطيين الروس: بيلينسكي ودوبروليوبوف، وقبل كل شيء، شيرنيشيفسكي. التحق بالحركة النارودنية عندما كان مايزال مراهقا، وشارك في مهام خطيرة، بما في ذلك إطلاق سراح الرفاق المعتقلين وحتى تصفية عميل استفزازي. ورغم أنه اعتقل عدة مرات، فقد نجح دائما في الهرب من معتقليه.

بعد خطابه الجريء اضطر بليخانوف للفرار إلى الخارج، إلا أن التقدير الذي كان يتمتع به مكنه من أن ينتخب، في غيابه، بصفته عضوا في "الحلقة الأساسية" لمنظمة زيمليا إ فوليا. وبعد عودته إلى روسيا في عام 1877، عاش مؤسس الماركسية الروسية المستقبلي حياة سرية صعبة. مسلحا بقبضة معدنية (knuckle duster) ومسدس يحتفظ به تحت وسادته ليلا، سافر أولا الى ساراتوف، بالفولغا، حيث صار لاحقا مسؤولا عن "قطاع العمال" في زيمليا إ فوليا. وكان لتجربته الأولى في العمل مع عمال المصنع تأثير عميق على تفكيره، مما ساعده بلا شك على القطع مع الأحكام المسبقة للنارودنيين وإيجاد الطريق إلى الماركسية.

في شهر دجنبر عام 1877، وقع انفجار في مخزن للبارود في مصنع للأسلحة في جزيرة فاسيليفسكي، قتل خلاله ستة عمال وجرح عدد أكبر بكثير. تحولت جنازة العمال إلى مظاهرة. وكتب بليخانوف بيانا انتهى بالعبارة التالية: «أيها العمال! الآن هو الوقت المناسب لفهم السبب. يجب ألا تتوقعوا المساعدة من أي أحد. ولا تتوقعوها من طبقة النبلاء! لقد أمضى الفلاحون فترة طويلة وهم يتوقعون المساعدة من طبقة النبلاء، وكان كل ما حصلوا عليه هو أسوء الأراضي وأثقل الضرائب، أثقل حتى من ذي قبل... هل أنتم أيضا، يا عمال المدن، ستتحملون هذا إلى الأبد؟»[1]

تلقى كاتب البيان الرد بعد وقت أقل مما كان هو، أو أي شخص آخر، يتوقعه. لقد خلقت الطفرة الاقتصادية، التي نشأت عن الحرب الروسية التركية (1877-1878)، الظروف لانفجار غير مسبوق للإضرابات، قادها القسم الأكثر اضطهادا واستغلالا بين صفوف الطبقة العاملة، أي عمال النسيج. لم تكن تلك المرة الأخيرة التي تحرك فيها عمال النسيج الأكثر اضطهادا بسرعة أكبر بكثير من عمال الصناعات المعدنية. ذهب العمال إلى "الطلبة" لطلب المساعدة، بمبادرة من عدد من العمال الثوريين.

بليخانوف، الذي كان رئيس قطاع العمال داخل زيمليا إ فوليا، وجد نفسه عمليا على رأس الحركة. لكن للأسف لم تكن لدا النارودنيين أية فكرة عما يجب القيام به مع الحركة العمالية، التي لم تكن تدخل ضمن تصورهم عن الكون. في غضون عامين شهدت سان بطرسبرج 26 إضرابا. وهي الموجة التي لم تشهد مثيلا لها إلا خلال موجة الإضرابات الهائلة لسنوات التسعينات من القرن التاسع عشر. لعب أعضاء منظمة اتحاد الشمال دورا بارزا في هذه الإضرابات، وخلال الشهور الأولى لعام 1879، بلغت المنظمة أوجها حيث صارت تضم 200 عامل منظم و200 عامل آخر في الاحتياط، موزعين بعناية في مصانع مختلفة. كانوا جميعا مرتبطين بهيئة مركزية. كانت الحلقات العمالية تمتلك مكتبة أيضا، وكانت كتبها توزع بعناية بين المجموعات السرية المختلفة وتستخدم على نطاق واسع حتى من قبل العمال خارج الاتحاد. أنشأ خالتورين واسع الحيلة مطبعة سرية. ودخل أوبنورسكي في اتفاق مع مجموعة من العمال في وارسو، وهي الخطوة التي شكلت "أول مثال للعلاقات الودية بين العمال الروس والبولنديين"، كما لاحظ بليخانوف بارتياح[2].

لكن وبعد أشهر من ظهور العدد الأول لجريدة الاتحاد، غير الشرعية، رابوتشايا زاريا (فجر العمال)، حطمت الشرطة محل الطباعة واجتاحت معظم أعضاء الاتحاد بموجة من الاعتقالات والأشغال الشاقة والسجن والمنفى. كانت نتيجة تحطيم هذا التنظيم الصلب الأول للطبقة العاملة كارثية. استخلص خالتورين وغيره استنتاجات متشائمة وتحولوا نحو الإرهاب. استغرق الأمر من الحركة عشر سنوات وعددا لا يحصى من التضحيات المجانية للتخلص من التكتيك الإرهابي.

منذ البداية انقسمت الحركة الثورية في روسيا بفعل الجدل بين "المعلمين" و"الانقلابيين"، وهما الخطان اللذان اشتهرا على نطاق واسع مع مواقف كل من لافروف من جهة وباكونين من جهة أخرى. أدى فشل الحركة "نحو الشعب" بهذا الخلاف إلى حد الانشقاق. في فترة 1874-1875، كان هناك آلاف السجناء السياسيين في روسيا، من الشباب الذين دفعوا ثمن تحديهم بفقدان حريتهم. أفرج عن بعضهم في وقت لاحق بكفالة ووضعوا تحت المراقبة. ونفي آخرون إلى سيبيريا بأمر إداري، بينما البقية استمروا ببساطة يتعفنون في السجن في انتظار المحاكمة. وقرر بعض أولئك الذين بقوا نشطاء وأحرارا العودة إلى القرى، لكن هذه المرة كمعلمين وأطباء، وكرسوا وقتهم وطاقاتهم للعمل التعليمي المتواضع وانتظار أيام أفضل. لكن بالنسبة للآخرين، كان انفضاح خطأ نظرية باكونين حول كون "الفلاحين ثوريين بشكل غريزي" يعني ضرورة البحث عن طريق مختلف تماما.

لم تكن زيمليا إ فوليا أبدا منظمة جماهيرية. كان بضع عشرات من الأعضاء، معظمهم من الطلبة والمثقفين في سن العشرينيات أو الثلاثينيات، هم من يكونون نواتها الصلبة النشطة. لكن بذور الانحلال كانت موجودة منذ البداية. سعى أنصار لافروف إلى "فتح عيون الشعب" من خلال الدعاية السلمية. قال لافروف: «يجب علينا ألا نثير عاطفة الشعب، بل وعيه الذاتي»[3]. المحاولات اليائسة لاستفزاز حركة جماهيرية للفلاحين عن طريق الدعاية فتحت المجال لنظرية جديدة قلبت الباكونينية رأسا على عقب. فمن "نفي السياسة" وخاصة المنظمة السياسية، انعطف قسم من النارودنيين 180 درجة وأسسوا منظمة إرهابية سرية وجد ممركزة - نارودنايا فوليا - التي كانت مصممة لإثارة الحركة الثورية للجماهير من خلال "الدعاية بالأفعال".

كشف الإذلال العسكري الذي تعرضت له من جديد روسيا القيصرية في الحرب الروسية التركية إفلاس النظام وأعطى دفعة جديدة للمعارضة. كان قادة نارودنايا فوليا مصممين على شن حرب ضد الحكم المطلق على شكل عمليات إرهابية فردية، والتي من شأنها أن تشعل "من فوق" شرارة الثورة. كان قسم من الشباب يحترقون بفارغ الصبر. وكلمات جيليابوف، الذي صار لاحقا قياديا في نارودنايا فوليا، تلخص كل شيء: «إن التاريخ يتحرك ببطء شديد. إنه يحتاج إلى دفعة. وإلا فإن الأمة كلها ستتعفن قبل أن يتمكن الليبراليون من فعل أي شيء».

« ماذا عن الدستور؟
إنه شيء جيد.
حسنا، ماذا تريد، هل العمل من أجل وضع دستور أو إعطاء دفعة للتاريخ؟
أنا لا أمزح، نحن نريد أن نعطي الآن دفعة للتاريخ»[4].

تبين هذه الأسطر الأربعة بشكل واضح العلاقة بين الحركة الإرهابية والحركة الليبرالية. لم يكن لدا الإرهابيين برنامج مستقل خاص بهم. لقد اقترضوا أفكارهم من الليبراليين، الذين بدورهم اتكئوا عليهم لدعم مطالبهم.

في خريف عام 1877، تم تقديم ما يقرب من 200 شاب وشابة للمحاكمة بتهمة "الذهاب إلى الشعب". كانوا قد أمضوا بالفعل ثلاث سنوات في السجن دون محاكمة، وكانت هناك حالات عديدة من سوء المعاملة التي يلقاها السجناء من طرف حراس ومسؤولين همجيين. بالنسبة للثوار كانت سوء المعاملة والتعذيب والإهانة، التي كان السجناء يتعرضون لها بشكل ممنهج، القطرة التي أفاضت الكأس. وقد تسببت حالة فظيعة خاصة في اندلاع سخط واسع النطاق في يوليوز 1877. عندما قام قائد شرطة بطرسبرج سيء السمعة، الجنرال تريبوف، بزيارة مركز الاحتجاز الأولي، رفض شاب "سياسي" يدعى بوغوليوبوف الوقوف له. فحكم عليه بالجلد 100 جلدة بأمر من تريبوف. نقطة التحول الحاسمة كانت في يناير 1878 عندما قامت فتاة شابة تدعى زاسوليتش بإطلاق النار على تريبوف. كان الهدف من وراء هذا العمل، الذي خططت له زاسوليتش ونفذته لوحدها، الانتقام لسوء معاملة السجناء السياسيين. وبعد قضية زاسوليتش، أصبح التحول نحو "الدعاية من خلال الفعل" تيارا لا يقاوم، خاصة عندما اعتبرتها هيئة المحكمة، وضد كل التوقعات، غير مذنبة.

في البداية اعتبر استخدام الإرهاب تكتيكا محدودا لإطلاق سراح الرفاق المعتقلين، وتصفية جواسيس الشرطة، والدفاع عن النفس ضد الإجراءات القمعية للسلطات. لكن للإرهاب منطق خاص به. وبعد فترة قصيرة من الزمن، استولى الهوس الإرهابي على المنظمة. منذ البداية كانت هناك شكوك بشأن "التكتيكات الجديدة"، وقد ارتفعت أصوات نقدية في صفحات الجريدة الرسمية للحزب، حيث تقول إحدى المقالات: «يجب أن نتذكر أن تحرير الجماهير الكادحة لن يتحقق من خلال هذا المسار (الإرهابي). ليست للإرهاب علاقة مع النضال ضد أسس النظام الاجتماعي. وحدها الطبقة من يمكنها أن تقاوم الطبقة. وبالتالي فإن الجزء الأكبر الرئيسي من قواتنا يجب أن يتركز على العمل بين صفوف الشعب».[5]

تسبب اعتماد التكتيكات الجديدة في حدوث انقسام داخل صفوف الحركة، بين الإرهابيين وبين أتباع لافروف الذين دافعوا عن ضرورة فترة طويلة من التحضير والدعاية بين الجماهير. في الواقع كان الاتجاه الأخير قد بدأ يبتعد عن الحركة الثورية، ويتبنى الدعوة إلى سياسة "الإنجازات الصغيرة" ونهج "شيئا فشيئا" والمقاربة التدريجية. لم يعد الجناح اليميني للحركة النارودنية يتميز عن الليبرالية، في حين استعد جناحها الأكثر راديكالية للاعتماد كليا على قوة الرصاصة وخليط "الكيمياء الثورية" النيتروجلسرين.

في الفترة الأخيرة، بذلت محاولات عديدة من قبل الإرهابيين المعاصرين لتمييز أنفسهم عن أسلافهم الروس. يقال إن الإرهابيين النارودنيين كانوا يؤمنون بالإرهاب الفردي، والحلول محل حركة الجماهير، في حين أن أنصار "الكفاح المسلح" أو "حرب عصابات المدن" المعاصرين يرون أنفسهم فقط باعتبارهم الجناح المسلح للنضال الجماهيري، الذي يهدف إلى تحريض الجماهير على النضال. إلا أن أنصار نارودنايا فوليا لم يدعوا أبدا أنهم يعملون كحركة مكتفية ذاتيا. كان هدفهم المعلن هو إشعال فتيل حركة جماهيرية، استنادا إلى الفلاحين، من شأنها قلب نظام الحكم وتشييد الاشتراكية. كان هدفهم المفترض أيضا هو "تحريض" الحركة الجماهيرية من خلال إعطاء مثال شجاع.

لكن السياسة لها منطقها الخاص. وكل نداءات نارودنايا فوليا باسم الجماهير، كانت مجرد ستار من الدخان يخفي وجود غياب كلي للثقة في القدرة الثورية لتلك الجماهير نفسها. وللحجج التي قدمت منذ أكثر من قرن من الزمان في روسيا لتبرير الإرهاب أوجه تشابه كثيرة مع حجج جماعات "حرب عصابات المدن" في الآونة الأخيرة: "نحن مع الحركة الجماهيرية، لكن الدولة قوية جدا" وهلم جرا. وهو نفس ما أكده الإرهابي موروزوف:

«من خلال مراقبة الحياة الاجتماعية المعاصرة في روسيا نتوصل إلى استنتاج مفاده أنه بسبب السلوك التعسفي والعنف الذي تنهجه الحكومة، ليس ممكنا القيام بأي نشاط من طرف الشعب على الإطلاق. لا وجود لا لحرية التعبير ولا لحرية الصحافة للعمل عن طريق الإقناع. ونتيجة لذلك، فإنه من الضروري على كل مناضل طليعي، أولا وقبل كل شيء، وضع حد لنظام الحكومة الحالية، وللنضال ضدها ليست هناك من وسيلة سوى حمل السلاح. ونتيجة لذلك سوف نقاتل ضدها بأسلوب ويليام تيل، حتى نصل إلى اللحظة التي نحقق فيها المؤسسات الحرة التي سيكون من الممكن لنا في ظلها أن نناقش بحرية في الصحافة وفي الاجتماعات العامة جميع القضايا السياسية والاجتماعية، ونقرر فيها عن طريق التمثيل الحر للشعب».[6]

كان النارودنيون شجعانا، لكنهم فاقدون للبوصلة ومثاليون اقتصرت أهدافهم على الجلادين سيئي السمعة، ورؤساء الشرطة المتورطين في الممارسات القمعية، وما شابه ذلك. وفي كثير من الأحيان كانوا يقدمون أنفسهم بعد ذلك للشرطة من أجل استخدام محاكماتهم كمنصة لتوجيه الاتهام إلى النظام القائم. لم يكونوا يزرعون القنابل لقتل النساء والأطفال، أو حتى لقتل الجنود العاديين. والمناسبات النادرة التي قتلوا خلالها أفرادا من الشرطة، كانت للاستيلاء على الأسلحة. لكن وعلى الرغم من هذا، كانت أساليبهم خاطئة تماما، وذات نتائج عكسية، وأدانها الماركسيون بشدة.

لا تعمل النظريات "الحديثة" المزعومة لحرب عصابات المدن سوى على تكرار كاريكاتوري للأفكار القديمة ما قبل الماركسية للإرهابيين الروس. ومن المثير للسخرية جدا أن هؤلاء الناس، الذين كثيرا ما يدعون أنهم "ماركسيون لينينيون"، لا يملكون أدنى فكرة عن أن الماركسية الروسية إنما نشأت من النضال العنيد ضد الإرهاب الفردي. كان الماركسيون الروس يصفون الإرهابي بازدراء بأنه "ليبرالي يحمل قنبلة". كان الليبراليون الآباء يتحدثون باسم "الشعب"، لكنهم كانوا يعتبرونه أجهل من أن يولوه ثقتهم للعمل المسؤول من أجل إصلاح المجتمع. كان دوره - من وجهة نظرهم - يقتصر على أن يصوت كل بضع سنوات، ويتفرج على الليبراليين في البرلمان وهم يقومون بأعمالهم. أما الليبراليون الأبناء فلم يكن لديهم سوى الاحتقار للبرلمان. كانوا يتبنون الثورة، وبطبيعة الحال، "الشعب". إلا أن هذا الأخير، وبسبب جهله، كان غير قادر على فهمهم. وبالتالي فإنهم سيلجئون إلى "الكيمياء الثوري" والقنبلة والمسدس. لكن، وتماما كما كان من قبل، تم تخفيض دور الجماهير إلى مجرد متفرجين سلبيين. تنظر الماركسية إلى التغيير الثوري للمجتمع كفعل واع تقوم به الطبقة العاملة. والشيء التقدمي هو الذي يعمل على رفع وعي العمال بقوتهم الخاصة. أما الشيء الرجعي فهو الذي يميل إلى خفض وعي العمال بدورهم. ودور الإرهاب الفردي، انطلاقا من وجهة النظر هذه، هو رجعي بالكامل.

وبالتالي، فإن سياسة الإرهاب الفردي تكون أكثر ضررا لقضية الجماهير بالضبط عندما تنجح. إن محاولة إيجاد طرق مختصرة في السياسة كثيرا ما تؤدي إلى الكارثة. ما هي الاستنتاجات التي من المفترض أن يستخلصها العمال من عمل إرهاب فردي ناجح بشكل مذهل؟ فقط هذه: أنه من الممكن لهم تحقيق غاياتهم دون أية ضرورة لعمل تحضيري طويل وشاق لبناء النقابات والمشاركة في الإضرابات وغيرها من النضالات الجماهيرية الأخرى والتحريض والدعاية والتعلم. كل هذا من شأنه أن يبدو بدون جدوى، بينما كل ما هو مطلوب هو الحصول على قنبلة ومسدس، ليتم حل المشكلة.

يقدم تاريخ القرن العشرين بعض الدروس المأساوية لما يحدث عندما يحاول الثوار تعويض الحركة الواعية للطبقة العاملة بممارسات بطولية لأقلية مسلحة. في أغلب الأحيان، وكما كان الحال مع نارودنايا فوليا، تؤدي محاولة تحدي قوة الدولة من خلال مثل هذه الأساليب إلى هزيمة رهيبة وتعزيز نفس جهاز القمع الذي كان من المفترض أن يتم قلبه. لكن حتى في تلك الحالات التي تمكنت فيها، على سبيل المثال، حرب العصابات من إسقاط النظام القديم، فإنه لا يمكن أبدا أن تؤدي إلى إقامة دولة عمالية سليمة، ناهيك عن الاشتراكية. ستؤدي، في أحسن الأحوال، إلى دولة عمالية مشوهة (نظام بونابارتي بروليتاري) يخضع فيه العمال لحكم فئة بيروقراطية. إن هذه النتيجة، في الواقع، تحدد مسبقا بفعل الهيكلة العسكرية للمنظمات الإرهابية ومنظمات حرب العصابات، وبفعل هيكل القيادة الاستبدادي وغياب الديمقراطية الداخلية، وقبل كل شيء حقيقة أنها تعمل خارج الطبقة العاملة وبشكل مستقل عنها. لا يعتبر الحزب الثوري الحقيقي نفسه مجموعة من المخلصين الذين نصبوا أنفسهم

لإنقاذ الجماهير، بل يسعى إلى إعطاء تعبير منظم وواع لحركة العمال أنفسهم. وحدها الحركة الذاتية الواعية للبروليتاريا من يمكنها أن تؤدي إلى التحويل الاشتراكي للمجتمع.

حاول قسم من حركة زيمليا إ فوليا القديمة مقاومة الاتجاه نحو الإرهاب، لكنه نحي جانبا. وقد فشلت محاولة التوصل إلى حل وسط، في المؤتمر فورونيج، يونيو 1879، في منع الانشقاق الذي حدث أخيرا في أكتوبر من ذلك العام، مع اتفاق رسمي من كلا الجانبين على حل التنظيم. تم تقسيم الأموال واتفق الطرفان على عدم استخدام الإسم القديم. اعتمد الفصيل الإرهابي اسم نارودنايا فوليا (إرادة الشعب)، في حين تبنى النارودنيون أنصار مدرسة "القرية" اسم شيرني بيريديل (إعادة التوزيع الأسود)، مرددين للفكرة النارودنية القديمة حول الثورة الزراعية. ومن رحم هذه المنظمة الأخيرة، بقيادة بليخانوف، خرجت القوى الأولى للماركسية الروسية.

هوامش:

[1] Quoted in Venturi, op. cit., p. 548

[2] Ibid., p. 556.

[3] Ibid., p. 556.

[4] Quoted in Footman, op. cit., p. 87.

[5] Quoted in J. Martov, Obshchestvennoe i Umstvennoe Techeniye v Rossii 1870-1905 gg, p. 44.

[6] Quoted in Baron, op. cit., p. 56 (التشديد من عندي: آلان وودز).

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا