marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الأول: ميلاد الحركة الماركسية الروسية

ارتباك في صفوف القواعد


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

إن الصورة الكاريكاتيرية عن لينين التي تقدمه وكأنه "ديكتاتور لا يرحم" ومناور خبيث يدوس بقسوة على رفاقه من أجل تركيز السلطة بين يديه، افتراء لا يتوافق مع الحقائق. في مذكراتها عن لينين تقدم كروبسكايا صورة حية عن الألم الذي عاشه لينين بسبب الخلاف مع مارتوف:

«في بعض الأحيان كان يرى بوضوح أن القطيعة مسألة لا مفر منها. بدأ رسالة كتبها مرة إلى كلير [كيرجيجانوفسكي] قائلا إن هذا الأخير لا يمكنه ببساطة أن يتخيل الوضع الحالي، حيث على المرء أن يدرك أن العلاقات القديمة قد تغيرت بشكل جذري، وأن الصداقة القديمة مع مارتوف على وشك الانتهاء؛ وأن الصداقات القديمة ستنسى، وأن الصراع سيبدأ. فلاديمير إيليتش لم ينه تلك الرسالة ولم يبعثها. كان من الصعب للغاية عليه القطع مع مارتوف. عملهما مع بعضهما في سان بيترسبورغ وفي الإيسكرا القديمة جعلهما قريبين من بعضهما البعض... بعد ذلك ناضل فلاديمير إيليتش بشراسة ضد المناشفة، لكن كلما أظهر مارتوف بعض الميل إلى تصحيح خطه، كان موقفه القديم منه يعود إلى الحياة. كان هذا هو الحال، على سبيل المثال، في باريس، عام 1910، عندما عمل فلاديمير إيليتش ومارتوف معا في هيئة تحرير Sotsial Demokrat (الاشتراكي الديمقراطي). عند عودته إلى البيت من المكتب، كان فلاديمير إيليتش كثيرا ما يقول لي بابتهاج إن مارتوف ينتهج خطا سليما، بل وحتى يعارض دان. بعد ذلك في روسيا، كان فلاديمير إيليتش سعيدا جدا بموقف مارتوف خلال أيام يوليوز [عام 1917] ليس لأنه كان في صالح البلاشفة، بل لأن مارتوف وقف موقفا جديرا بالمناضل الثوري. وقد كان فلاديمير إيليتش بالفعل مريضا جدا، عندما قال لي مرة بحزن: "يقولون إن مارتوف يحتضر هو أيضا".»

كان هذا الموقف مألوفا في شخصية لينين وهو ما يتم تجاهله في كثير من الأحيان. بعيدا عن الرومانسية لم يكن لينين يسمح لنفسه أبدا أن يخلط بين مشاعر الحب والكراهية الشخصية وبين قضايا المبدأ السياسي. لكن لينين كان يعترف بمؤهلات الآخرين ولم يكن يتخلى عنهم بسهولة. كانت مشاعر الحقد الشخصي غريبة تماما عن هذا الرجل الذي أظهر طيلة حياته أعظم مشاعر الإخلاص للرفاق. وخلال الأشهر التي تلت المؤتمر قام لينين نفسه بمحاولات متكررة لإعادة الوحدة، بل وحتى اقترح تقديم سلسلة من التنازلات التي كانت، في الواقع، بمثابة التخلي عن المواقع التي فازت بها الأغلبية في المؤتمر. تتذكر كروبسكايا قائلة:

«بعد المؤتمر، لم يعترض فلاديمير إيليتش عندما اقترح غليبوف إعادة دمج أعضاء هيئة التحرير القدامى، فأن تسير الأمور بالطريقة القديمة أفضل من أن يحدث الانشقاق. لكن المناشفة رفضوا. وفي جنيف، حاول فلاديمير إيليتش تسوية الأمر مع مارتوف، وكتب إلى بوتريسوف يحاول إقناعه بأنه لا يوجد سبب للصراع. وكتب أيضا إلى كالميكوفا (العمة) عن الانقسام، وشرح كيف جرت الأمور. لم يستطع تصديق أنه لا يوجد أي حل».[1]

لم يكد المؤتمر ينتهي حتى اقترب لينين من مارتوف في محاولة للتوصل إلى اتفاق. كتب مارتوف إلى أكسلرود في رسالة مؤرخة بـ31 غشت:

«رأيت لينين مرة واحدة [منذ المؤتمر]. طلب مني أن أقدم له اقتراحاتي حول التعاون. قلت له إني سأقدم له ردا رسميا عندما سنناقش هذا الاقتراح الرسمي معا، لكنني في غضون ذلك رفضت. لقد تحدث كثيرا عن حقيقة أنه برفضنا التعاون نكون بصدد "معاقبة الحزب"، وأن لا أحد توقع منا أن نقاطع الصحيفة. بل إنه صرح علنا أنه مستعد للاستقالة إذا ما صدر القرار بذلك من طرف هيئة التحرير القديمة، وأنه يعتزم العمل بجهد مضاعف كمتعاون».[2]

أوسيب بياتنيتسكي (1882 - 1938)
كان مسؤولا عن توزيع الإيسكرا في برلين ونقلها إلى داخل روسيا خلال انقسام 1903، أعدم خلال محاكمات الإبادة التي نظمها ستالين ضد القادة البلاشفة الذين ناضلوا إلى جانب لينين عام 1917

لو كان الأمر متعلقا بلينين لكان قد تم تفادي الانقسام بسرعة. لكن رد فعل الأقلية الهستيري تقريبا، جعل التوصل إلى اتفاق أمرا مستحيلا. شنت الأقلية، التي هزمت في المؤتمر، سلسلة من الهجمات العنيفة ضد لينين وضد الأغلبية. نشر مارتوف كراسة يتهم لينين فيها بالتسبب في "حالة حصار" داخل الحزب. تولدت أجواء ساخنة، تجاوزت في حدتها أهمية القضايا التي كانت تبدو مطروحة. وصف أوسيب بياتنيتسكي، الذي كان مسؤولا عن توزيع الإيسكرا في برلين، الدهشة والذعر الذين انتشرا بين صفوف القواعد عند توصلهم بالتقرير عن المؤتمر:

«استمعنا إلى تقارير كلا الجانبين عن المؤتمر، وبعد ذلك بدأت على الفور الدعاية لصالح هذا الاتجاه أو ذاك. شعرت بنفسي ممزقا إلى اثنين. فمن جهة كنت آسفا للإساءة التي وجهت لزاسوليتش وبوتريسوف وأكسلرود وعزلهم من هيئة تحرير الإيسكرا... ومن جهة أخرى كنت متفقا تماما مع الهيكل التنظيمى للحزب المقترح من قبل لينين. كان عقلي مع الأغلبية، لكن مشاعري، إذا جاز التعبير، كانت مع الأقلية».[3]

لم يكن بياتنيتسكي وحده في موقفه من الانقسام، قال لوناتشارسكي: «ضربنا خبر الانشقاق مثل صاعقة في سماء صافية. كنا نعرف أن المؤتمر الثاني سيشهد الحسم النهائي للصراع ضد تيار قضية العمال [الاقتصادويين]. لكن حدوث انقسام يضع مارتوف ولينين في مواجهة بعضهما البعض، بينما بليخانوف يقف في منتصف الطريق بين الاثنين، هو شيء لم نستطع استيعابه مطلقا. الفقرة الأولى من النظام الأساسي الحزب... هل كان هذا شيئا يبرر حقا حدوث الانشقاق؟ والتعديل في توزيع المهام بين أعضاء هيئة التحرير، ما بال هؤلاء الناس في الخارج، هل فقدوا عقولهم؟»[4]

هذا الكلام للوناتشارسكي الذي أصبح أحد مساعدي لينين الرئيسيين خلال السنتين اللاحقتين، كان انعكاسا أمينا لرد فعل أغلبية أعضاء الحزب تجاه الانشقاق في المؤتمر الثاني. كان المزاج السائد ضد الانقسام، الذي لم يكن المغزى الحقيقي وراءه واضحا حتى للفاعلين الرئيسيين فيه.

يمكن فهم سبب الغموض الذي ساد بين صفوف القواعد. ففي هذه المرحلة لم تكن هناك اختلافات سياسية واضحة بين الأغلبية والأقلية. مهما كان سيئا سلوك المارتوفيين، الذين عكست هجماتهم الحاقدة ومقاطعتهم لأعمال الحزب جرح كبرياء المثقفين الفردانيين، غير الراغبين في إخضاع ميولهم الشخصية لإرادة الأغلبية، فإن الاختلافات الحقيقية بين البلشفية والمنشفية كانت ما تزال بعيدة عن أن تكون محددة بوضوح خلال هذه المرحلة. صحيح أن بذور تلك الاختلافات كانت موجودة بالفعل في عام 1903، لكنها لم تكن قد اكتسبت آنذاك بعد مضمونا سياسيا محددا. بل كانت بالأحرى اختلافا في المواقف كما يتضح في توصيف لينين للاتجاهين بكونهما "الحازمين" و"الناعمين". ومع ذلك، فإن الصدام بين هذين الاتجاهين كان ينذر بلا شك بالانشقاق المستقبلي بين البلشفية والمنشفية، الذي لم يحدث بشكل نهائي إلا عام 1912، بعد حوالي عشر سنوات من المحاولات المتواصلة من جانب لينين لتوحيد الحزب على أساس مبدئي. لينين نفسه شرح أسباب هذا الانقسام في الفقرة التالية:

«من خلال دراستي لسلوك المارتوفيين منذ المؤتمر، رفضهم التعاون في الجهاز المركزي (على الرغم من دعوتهم بشكل رسمي من طرف اللجنة التنظيميةورفضهم العمل في اللجنة المركزية، ودعايتهم من أجل المقاطعة، كل ما يمكنني قوله هو أن هذه محاولة حمقاء، غير جديرة بأعضاء الحزب، لتخريب الحزب، ولماذا؟ فقط لأنهم غير راضين عن تشكيل الهيئات المركزية؛ لنتحدث بشكل موضوعي، كان هذا فقط هو السبب الذي أدى إلى افتراق طرقنا، في حين أن الاعتبارات الذاتية (الشتائم والإهانات والافتراءات والطرد، الخ) ليست سوى ثمار للأنا المجروحة والخيال المريض».[5]

رفض المارتوفيون كل محاولات لينين للمصالحة، وواصلوا الضغط من خلال شن حملة تحريض. كانوا أقوياء بشكل خاص في الخارج. كان لديهم المال وصلات وثيقة مع قادة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية. في شتتبر 1903، قام فريق مارتوف بالخطوة الأولى في اتجاه الانقسام من خلال إنشاء "مكتب للأقلية"، بهدف الاستيلاء على الهيئات القيادية للحزب بكل الوسائل المتاحة. بدءوا في نشر كتاباتهم التكتلية الخاصة لتوزيعها في روسيا. وعلى الرغم من كل هذا، استمر لينين يعلق الآمال على المصالحة. في 4 أكتوبر 1903 تم عقد اجتماع بين لينين وبليخانوف ولينغنيك عن الأغلبية ومارتوف وأكسلرود وزاسوليتش وبوتريسوف عن الأقلية. كانت الأغلبية على استعداد لتقديم تنازلات، لكن عندما كان رد فعل الأقلية هو المطالبة بتغيير مجموع قرارات المؤتمر، صار من الواضح أن هذا الاتفاق مستحيل. إن القبول بهذا الطلب كان يعني إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء إلى الوضع الذي كان سائدا قبل المؤتمر الثاني.

للصراع بين الكتل منطقه الخاص. فمن خلال تنصلهم من المؤتمر الثاني، ومحاربتهم للشكليات التنظيمية تحت شعار "النضال ضد المركزية" المزعوم، بدأ موقف الأقلية تجاه القضايا التنظيمية يصبح تدريجيا مشابها لوجهات نظر الاقتصادويين الذين كانوا، بالأمس فقط، على خلاف معهم. و"التكتل" العرضي الذي شكله المناشفة في المؤتمر مع الاقتصادويين اليمينيين، والذي كان لينين قد أشار له بالفعل، تحول تدريجيا إلى اندماج. أشار الاقتصادوي المتطرف أكيموف، بسخرية خبيثة، إلى تقارب الأقلية مع وجهات النظر الإقتصادوية الانتهازية القديمة، قائلا:

«إن اقتراب الإيسكريين "الناعمين" ممن يسمون بالاقتصادويين فيما يخص القضايا التنظيمية والتكتيكية صار أمرا معترفا به من قبل الجميع باستثناء "الناعمين" أنفسهم. إلا أنهم على استعداد للاعتراف بأنه "يمكننا أن نتعلم الكثير من الاقتصادويين".

حتى أثناء [المؤتمر] الثاني، دعم مندوبو الاتحاد [أي الاقتصادويون] المناشفة وصوتوا لصيغة مارتوف. واليوم جميع أعضاء الاتحاد السابق [أي اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين الروس في الخارج الذي يسيطر عليه الاقتصادويون] يرون بأن تكتيكات "الناعمين" أقرب للصواب، وأنها تنازل عن وجهة نظرهم. وعندما حلت منظمة عمال بيترسبورغ [اقتصادوية] نفسها أعلنت عن اندماجها مع المناشفة».[6]

وصلت الخلافات أوجها خلال المؤتمر الثاني للرابطة الاشتراكية الديمقراطية الثورية الروسية في الخارج، الذي انعقد بجنيف في أكتوبر 1903. بعد مؤتمر الحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي، حاولت الأقلية إيجاد قاعدة دعم لموقفها. كانت الرابطة الاشتراكية الديمقراطية الثورية الروسية في الخارج بالكاد مجموعة متحلقة حول جريدة، أصدرت باسمها بضعة منشورات، لكن أنشطتها كانت شبه منعدمة، وهو الوضع المنطقي بما أن مركز الثقل الآن كان قد أصبح داخل روسيا. مباشرة بعد الانقسام، قرر المارتوفيون الدعوة إلى عقد مؤتمر للرابطة في جنيف. وقد تم ذلك بطريقة تكتلية؛ حيث لم يتم إخبار أنصار الأغلبية المعروفين بالاجتماع، في حين تم استقدام أنصار الأقلية من مناطق بعيدة مثل بريطانيا. قدم لينين التقرير عن مؤتمر الحزب بكلمات محسوبة، لكنه تعرض لهجوم شرس من طرف مارتوف، مما أدى إلى تسميم الأجواء منذ البداية.

في المؤتمر الثاني للحزب، تقرر اعتبار الرابطة الاشتراكية الديمقراطية الثورية الروسية في الخارج منظمة رسمية للحزب في الخارج، لها نفس وضع لجان الحزب المحلية في روسيا. كان هذا يعني بوضوح أنها ستكون تحت رقابة اللجنة المركزية، لكن الأقلية، التي كانت تسيطر على الرابطة، لم تقبل بهذا، ووضعت قواعد جديدة تعطي للرابطة الاستقلالية عن اللجنة المركزية، بهدف تحويلها إلى قاعدة للعمل التكتلي ضد الأغلبية. اقترح لينغنيك أن هذا سيرفع للجنة المركزية وعندما قوبل الاقتراح بالرفض، استاء ممثلو الأغلبية وانسحبوا من المؤتمر.

وصف بياتنيتسكي، الذي كان آنذاك عاملا تقنيا شابا في الإيسكرا، حيرته من الصراع التكتلي المرير في المؤتمر، حيث كانت قوى الأقلية والأغلبية منقسمة بالتساوي:

«افتتح المؤتمر. جلس المناشفة في جانب، بينما جلس البلاشفة في الجانب الآخر. كنت أنا الوحيد الذي لم يقرر بعد بشكل نهائي الانتماء إلى هذا الجانب أو ذاك. أخذت مقعدي مع البلاشفة وصوتت معهم. كان البلاشفة بقيادة بليخانوف. في نفس اليوم، على ما أعتقد، غادر البلاشفة، بقيادة بليخانوف، المؤتمر. لكنني رغم ذلك بقيت هناك. وكان واضحا بالنسبة لي أن رحيل البلاشفة، أي الأغلبية، من منظمة الحزب المركزية ومجلس الحزب سيجبر الأقلية إما على الإذعان لقرارات المؤتمر الثاني أو القطع معها. لكن ما الذي يمكنني فعله؟ لا شيء. يمكن لكلا الجانبين أن يتباهيا بوجود قادة عظام بين صفوفهم، أعضاء مسؤولون في الحزب يعلمون بالتأكيد ما كانوا يفعلون. وعند حضوري جلسات مؤتمر الرابطة، بعد رحيل البلاشفة، قررت أخيرا الانضمام إلى هؤلاء الأخيرين وانسحبت بدوري من المؤتمر».[7]

في اجتماع مرتجل على عجل في مقهى قريب، ندد بليخانوف بسخط بسلوك الأقلية واقترح خطة للنضال ضدهم. ومع ذلك، فإنه في قرارة نفسه كان بليخانوف غارقا في الشكوك. في البداية كان حاسما في الدفاع عن موقف لينين، الذي كان يعلم أنه صحيح، لكن أعصابه بدأت تضعف بمجرد ما بدأ يظهر بوضوح أن فجوة لا يمكن تجاوزها قد بدأت تنفتح بين الأغلبية وبين أصدقائه ورفاقه القدامى. بدأ يتسائل ما إذا كان قد فعل الشيء الصحيح بوقوفه إلى جانب لينين؟ هل كان الأمر يستحق تمزيق الحزب من أجل بضعة قواعد؟ لقد عمل لينين وبليخانوف على بذل كل تنازل ممكن للأقلية، لكن هؤلاء الأخيرين كانوا يطالبون بالاستسلام التام. ما السيئ في ذلك؟ ما السيئ في إعادة دمج جميع المحررين القدامى من أجل تحقيق السلام؟ وعلى كل حال إن النظام القديم، بجميع أعطابه، كان أفضل من هذا الوضع.

كان لينين، بدوره، لصالح تقديم التنازلات، بل وفكر حتى في إعادة إدماج المحررين القدامى. لكن التجربة أظهرت أن كل تنازل يقدم للأقلية لم يكن يؤدي سوى إلى زيادة تعنتها. وعلى مضض، التقط لينين القفاز الذي رمى به الجانب الآخر، لأن المزيد من التنازلات ستؤدي إلى الإساءة لمصالح الحزب. كان القطع مع مارتوف مؤلما للغاية، بل صدمة للينين الذي اعترف لكروبسكايا أن هذا كان أصعب قرار اتخذه في حياته. لكن بالنسبة للينين كانت مصالح الحزب والطبقة العاملة والاشتراكية أكثر أهمية من أي اعتبارات شخصية.

كان بليخانوف من نوع مختلف تماما. كان ضحية «البحر الميت لحياة المهجر التي تجر المرء إلى القاع»[8]، أثبت بليخانوف أنه غير قادر على تحقيق الانتقال إلى المرحلة التاريخية الجديدة، مرحلة الثورة التي وضعت مهام جديدة على كاهل الحزب وقيادته. الشيء الذي كان عجيبا ليس كونه استسلم، بل بالأحرى كونه وقف في البداية إلى جانب لينين. يحسب له أنه حاول على الأقل القيام بالانتقال، وليس فقط في هذه المناسبة. ففي وقت لاحق، في عام 1909، مال مرة أخرى إلى اليسار ودخل في تكتل مع البلاشفة. لكن تلك كانت آخر محاولاته قبل أن ينحرف نهائيا إلى اليمين، لينتهي بشكل مأساوي في معسكر الشوفينية الرجعية في السنوات الأخيرة من حياته. تروتسكي قال مرة إنه من أجل أن تكون ثوريا، لا يكفيك أن تمتلك الفهم النظري. يجب أن تمتلك أيضا قوة الإرادة. فبدونها يكون الثوري مثل "ساعة بعقرب مكسور". هذه الجملة تصف بدقة نقطة ضعف بليخانوف، الذي وعلى الرغم من مساهمته الهائلة، انتهت أخيرا بتقويضه وتحطيمه.

شهد مساء يوم 18 أكتوبر حدوث القطيعة مع بليخانوف. ففي اجتماع للأغلبية، بعد أيام فقط من اقتراحه شن نضال شامل ضد المارتوفيين، انعطف 180 درجة ودافع عن تحقيق السلام بأي ثمن. قال: «لا يمكنني إطلاق النار على رفاقي. أفضل أن أتلقى رصاصة في الدماغ على الانشقاق. هناك لحظات يكون فيها حتى على الحكم المطلق الاستسلام»[9]. وقدم مطالبه في شكل إنذارا: إما أن تقبل، أو أنه سيستقيل من هيئة التحرير. كان انشقاق بليخانوف ضربة قوية للأغلبية. لينين الذي كانت له شكوك جدية لكنه ما يزال يأمل في تسهيل الوحدة، استقال من هيئة التحرير بعد ذلك بفترة وجيزة. لكن خطوة بليخانوف لم تؤد إلى توحيد الحزب، بل كان لها تأثير معاكس. استعمل المارتوفيون نجاحهم فقط لتمرير مطالب جديدة: إعادة دمج أنصار الأقلية في اللجنة المركزية ومجلس الحزب والاعتراف بالنقاش الذي حدث في المؤتمر الثاني لرابطة الاشتراكيين الديمقراطيين في الخارج. بليخانوف الذي استسلم في المرة الأولى، استسلم مرة أخرى لجميع هذه المطالب، التي كانت ستؤدي، في الواقع، إلى تغيير كل القرارات الصادرة عن مؤتمر الحزب.

بدا موقف الأغلبية قاتما للغاية. صارت الأقلية تسيطر الآن على الجهاز المركزي للحزب، أي الإيسكرا، والرابطة في الخارج ومجلس الحزب. وحدها اللجنة المركزية بقيت، من الناحية النظرية، مع الأغلبية. لكن الأغلبية كانت محرومة من وسيلة لإيصال صوتها. وتدريجيا، توقفت الإيسكرا عن نشر المقالات والرسائل التي كان أنصار الأغلبية يبعثونها. في هذه الأثناء، استغل المناشفة إلى أقصى حد علاقاتهم وصداقاتهم الشخصية مع قادة الأممية الاشتراكية. بينما لم يكن للبلاشفة منفذ كبير إلى صحافة الأممية الاشتراكية.

في مذكراته، يذكر ليادوف محادثة أجراها مع كاوتسكي عبر خلالها هذا الأخير عن سخطه: «ماذا تريد؟ نحن لا نعرف لينينك هذا. إنه رجل جديد بالنسبة لنا. أما بليخانوف وأكسلرود نحن جميعا نعرفهم جيدا جدا. نحن معتادون على معرفة الوضع في روسيا من خلال تفسيراتهم. وغني عن القول إننا لا نستطيع أن نصدق تأكيدك بأن بليخانوف وأكسلرود أصبحا فجأة انتهازيين. هذا سخيف!»

هوامش:

[1] Krupskaya, Reminiscences of Lenin, pp. 98-9 and p. 98.

[2] Pis’ma PB Aksel’roda i YO Martova, p. 87.

[3] Piatnitsky, op. cit., p. 54.

[4] Lunacharsky, op. cit., p. 36.

[5] LCW, Account of the Second Congress of the RSDLP, September 1903, vol. 7, p. 34.

[6] Akimov, A Short History of the RSDLP, p. 332.

[7] Piatnitsky, op. cit., p. 63.

[8] Krupskaya, O Vladimirye Ilyiche, vol. 1, p. 54.

[9] Quoted in Baron, Plekhanov, p. 327.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا