marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الأول: ميلاد الحركة الماركسية الروسية

المؤتمر الثاني


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

شهد شتاء 1902-1903 "صراعا حادا بين التيارات"[1]، لكن التفوق السياسي والتنظيمي للإيسكرا بدأ تدريجيا يحسم الميدان. بدأت اللجان تعلن، الواحدة بعد الأخرى، انضمامها للمؤتمر. فقط عدد قليل من اللجان من أعربت عن وجود تحفظات. انتقدت يوجني رابوتشي إيسكرا بسبب معاملتها القاسية لليبراليين. وبيأس حاول أتباع رابوتشييه ديلو زرع الانشقاق داخل عدد من اللجان المحلية، عن طريق تحريض العمال ضد "المثقفين". للأسف لعبت الأخطاء والحماقات التي ارتكبها أنصار الإيسكرا لصالح المعارضة في بعض المناطق. ففي سانت بيترسبورغ مكنوا رابوتشي ديليتس من عكس قرار دعم المؤتمر. لكن هذا، رغم كل شيء، لم يكن سوى زوبعة في فنجان. وفي الوقت الذي انعقد خلاله المؤتمر، لم تقرر سوى لجنة واحدة فقط (لجنة فورونيز) أن تنآى بنفسها عنه.

لينين يتحدث خلال أنعقاد المؤتمر الثاني لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي

انعقد المؤتمر أخيرا، يوم 17 يوليوز 1903، في بروكسل، حيث عقد دوراته 13 الأولى. لكن اهتمام الشرطة أجبر المؤتمر على الانتقال إلى لندن حيث أعاد عقد أشغاله تحت ستار ناد للصيادين، وعمل على تغيير مكان اللقاء بشكل دوري لتجنب الانكشاف. في المؤتمر الأول مثلت المنظمات داخل روسيا من طرف خمس لجان محلية فقط، أما المؤتمر الحالي فكان بإمكانه أن يفتخر بأنه يمثل عدة آلاف من الأعضاء، الذين لديهم تأثير على مئات الآلاف من العمال. وكانت غالبية المندوبين من الشباب، ومعظمهم تحت سن الثلاثين سنة. لينين، الذي كان يبلغ آنذاك 33 سنة، كان من يعتبر من المخضرمين. كانت سرعة وتيرة الأحداث الثورية في روسيا مدرسة لتطوير الكوادر الماركسية الشابة. وحدهم الأعضاء السابقون في منظمة بليخانوف، تحرير العمل، هم من وقفوا ممثلين للجيل الثوري الأكبر سنا، الذي ينتمي إلى عصر مختلف، بل تقريبا إلى عالم مختلف.

كان شرط قبول انتداب المجموعات للمؤتمر هو أن تكون قد وجدت طيلة ما لا يقل عن 12 شهرا كمنظمة نشطة. لم توجه الدعوة إلى العديد من اللجان المحلية (فورونيز وسمارة وبولتافا وكيشينف) لأنها لم تستوف هذا الشرط. كان هناك 43 مندوبا مع 51 صوتا. ويرجع ذلك جزئيا إلى أنه في العديد من المناطق كانت هناك أكثر من لجنة محلية واحدة، وأعطي لكل وفد صوتان، سواء كان هناك مندوب واحد حاضر أو أكثر. وأعطيت للجنة المركزية للبوند ثلاثة أصوات (واحد لمنظمة البوند في الخارج)، وأعطي لمنظمتي بيترسبورغ، صوت واحد لكل منهما. وبالإضافة إلى ذلك كان هناك 14 شخصا حاضرا مع صوت استشاري، من بينهم اثنان من ممثلي الحركة الاشتراكية الديمقراطية البولندية والليتوانية والذين وصلا خلال الدورة العاشرة.

خصص قدر كبير من الوقت لنقاش مسألة مكان البوند في الحزب. وكانت لذلك النقاش أهمية بالغة في توضيح الموقف الماركسي تجاه المسألة القومية. ترجع الأهمية التاريخية لذلك إلى حقيقة أنه من دون موقف واضح من المسألة القومية، لم يكن من الممكن أبدا للثورة الروسية أن تنجح. في كتابه "تاريخ الثورة الروسية"، يعطي تروتسكي تعريفا موجزا لموقف البلاشفة من المسألة القومية:

«لقد فهم لينين في وقت مبكر حتمية تطور الحركات القومية في روسيا، وخاض طيلة سنوات عديدة نضالا عنيدا - لا سيما ضد روزا لوكسمبورغ - من أجل تلك الفقرة الأكثر شهرة في برنامج الحزب القديم حول حق تقرير المصير، أي في الانفصال التام كدول. لم يكن الحزب البلشفي بهذا يدافع عن الانفصال، لقد تبنى فقط الالتزام بالنضال الحازم ضد كل شكل من أشكال الاضطهاد القومي، بما في ذلك الاحتفاظ بالقوة بهذه القومية أو تلك داخل حدود الدولة. فقط بهذه الطريقة يمكن للبروليتاريا الروسية أن تفوز تدريجيا بثقة القوميات المضطهدة.

لكن هذا كان جانبا واحدا فقط من المسألة، لقد كان للسياسة البلشفية في مجال المسألة القومية جانب آخر أيضا، يبدو مناقضا للأول، لكنه في واقع الأمر مكمل له. ففي إطار الحزب، والمنظمات العمالية بشكل عام، أصرت البلشفية على المركزية الصارمة، وحذرت بحزم ضد النزعات القومية التي قد تدفع بالعمال ضد بعضهم البعض أو تشق وحدتهم. وبينما ترفض البلشفية رفضا قاطعا قيام الدولة البرجوازية بفرض الجنسية الإلزامية، أو حتى لغة الدولة، على أقلية قومية، فإنها، في الوقت نفسه، جعلت مهمتها الأهم هي تحقيق أكبر قدر ممكن من الوحدة بين عمال مختلف القوميات عن طريق الانضباط الطبقي الطوعي. وبالتالي فإنها ترفض رفضا قاطعا مبدأ الفدرالية القومية في بناء الحزب. المنظمة الثورية ليست صورة طبق الأصل للشكل الذي ستكون عليه الدولة في المستقبل، بل هي وسيلة بنائها. يجب أن تتكيف الوسيلة مع شكل المنتج، لكنها لا يجب أن تشبهه بشكل تام. وهكذا فإنه يمكن لمنظمة ممركزة ضمان نجاح النضال الثوري، رغم أن المهمة هي تدمير القهر الممركز للقوميات».[2]

لعب البوند دورا مهما في الأيام الأولى للحركة، مما أعطاه مكانة كبيرة ومكنه من ممارسة تأثير حاسم على المؤتمر الأول، حيث دخل إلى حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي باعتباره منظمة مستقلة ذاتيا. أدى ضعف الحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية إلى أن يحافظ البوند، عمليا، على وجود مستقل حتى المؤتمر الثاني، وطور نزعات قومية قوية. وفي المؤتمر الثاني تحدث البونديون، في الواقع، كحزب مستقل، غير مستعد للدخول إلى حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي إلا على أساس فدرالي فضفاض، الشيء الذي كان يعني إضفاء الشرعية على وجود منظمات مستقلة للعمال اليهود. وقد برر ليبر، المتحدث باسم البوند، ذلك على أساس الوضع الخاص للعمال اليهود، الذين يعانون ليس فقط من الاضطهاد الطبقي بل أيضا من الاضطهاد العنصري، وهو الاضطهاد الذي ليس للعمال الروس نفس الدرجة من الاهتمام بمكافحته. وفي رده على ليبر، قال مارتوف:

«الفكرة الكامنة وراء هذا المشروع هي افتراض أن البروليتاريا اليهودية تحتاج إلى منظمة سياسية مستقلة لتمثيل مصالحها القومية داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي في روسيا. وبصرف النظر عن مسألة تنظيم الحزب على أساس فدرالي أو على أساس استقلال ذاتي، فإننا لا يمكن أن نسمح بأن يكون لأي فريق داخل الحزب الحق في تمثيل مجموعة أو نقابة أو مصالح قومية لأي من أقسام البروليتاريا. تلعب الاختلافات القومية دورا ثانويا بالنسبة للمصالح الطبقية المشتركة. أي نوع من التنظيم سيكون لدينا إذا ما، على سبيل المثال، قرر عمال من قوميات مختلفة، في ورشة عمل معينة، أن يضعوا مصالحهم القومية فوق أي اعتبار آخر؟»[3]

بطبيعة الحال، يمكن لأسباب عملية بحتة، أن تعطى درجة معينة من الاستقلال الذاتي لمجموعات قومية ما داخل الحزب. لكن هذه العملية، تكون ذات طابع تقني بحت، تنشأ من الحاجة، على سبيل المثال، لنشر الأدبيات باللغات المختلفة للجماعات المعنية. لم يكن هناك أي اعتراض على أن يتمتع البوند بالاستقلالية اللازمة لإنتاج أدبيات الحزب باللغة اليديشية أو القيام بالتحريض بين العمال اليهود والحرفيين بأدبيات خاصة، الخ. لكن ما كان البوند يطلبه هو الحق الحصري في التحدث باسم البروليتاريا اليهودية، وأن يكون له، في الواقع، الحق في احتكار الشؤون اليهودية داخل الحزب. وعندما تم رفض مطالب البوند بشكل حاسم، غادر مندوبوه المؤتمر. وسرعان ما تبعهم في ذلك ممثلا الجناح اليميني الآخران، الاقتصادويان مارتينوف وأكيموف، اللذين كانا حاضرين كممثلين عن اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين الروس المهاجرين في الخارج، واللذين انسحبا عندما اعترف المؤتمر برابطة الاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين، المنافسة، باعتبارها الممثل الوحيد للحزب في الخارج. وقد أدى هذا الانسحاب إلى تغيير حاسم في ميزان القوى داخل المؤتمر.

على مر السنين أضيفت لأحداث هذا المؤتمر كومة كبيرة من الخرافات والافتراءات والأكاذيب. فخلاله، كما يزعم، ظهرت البلشفية مكتملة ومسلحة بالكامل، مثلما خرجت أثينا من رأس زيوس. لكن التحليل الدقيق يكشف أن الانقسام بين "البلاشفة" ("الأغلبية") و"المناشفة" ("الأقلية")، أو بشكل أكثر دقة بين "المتصلبين" وبين "الناعمين"، في عام 1903، لم يكن بأي حال من الأحوال انقساما نهائيا، بل فقط استباقا للخلافات التي ستحدث في المستقبل.

كانت لمجموعة الإيسكرا، من الناحية العددية، أغلبية واضحة بـ 33 صوتا. بينما كان للمعارضين الصريحين للإيسكرا ثمانية أصوات، ثلاثة اقتصادويين وخمسة بونديين. بينما كانت الأصوات المتبقية لعناصر مترددة غير حاسمة لموقف معين، وهم الذين أطلق عليهم لينين فيما بعد اسم "الوسط" أو "المستنقع".

في البداية، كان كل شيء يبدو أنه يسير بسلاسة لصالح الإيسكرا. كان هناك إجماع كامل في معسكر الإيسكرا بشأن جميع المسائل السياسية. ثم فجأة بدأ كل شيء يتغير. فخلال الدورة الـ 22، وبينما كانت أشغال المؤتمر متواصلة طيلة أسبوعين، بدأت تظهر الخلافات بين لينين ومارتوف. كان تبلور اتجاهين داخل معسكر الإيسكرا مسألة غير متوقعة تماما. كانت هناك توترات بطبيعة الحال، لكن لم يكن هناك شيء من شأنه أن يبرر حدوث انشقاق. فحول عدد من المسائل الثانوية (دور اللجنة المنظمة، ومجموعة بوربا ويوجني رابوتشي[4]. صار من الواضح أن بعض أنصار الإيسكرا صوتوا مع اليمين و"المستنقع". لكن هذه الأمور بدت وكأنها مجرد حوادث عرضية. أما في كل المسائل المهمة، فقد استمر معسكر الإيسكرا موحدا. لكن وفجأة تحطمت الوحدة بسبب صدام مفتوح بين لينين ومارتوف حول مسألة تنظيمية.

كانت الفقرة الأولى من قانون الحزب تتعلق بمسألة: "من هو العضو؟". مشروع لينين كان ما يلي: «عضو حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي هو الذي يقبل ببرنامجه ويدعم الحزب سواء ماليا أو بالمشاركة الشخصية في واحدة من منظمات الحزب». وقد عارض مارتوف هذا الشرط وطرح بديلا عنه الصيغة التالية: «يعتبر عضوا في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي كل من يعترف ببرنامجه ويؤيده ماديا، ويقدم له بانتظام مساعدة شخصية تحت قيادة إحدى منظماته». في الظاهر يبدو أنه ليس هناك سوى فارق طفيف بين الصيغتين. لكن لم يظهر المغزى الحقيقي من الفرق بينهما بشكل واضح إلا في وقت لاحق. أشار تروتسكي إلى ذلك قائلا: «لم تكن الخلافات قد اتضحت بعد، كان الجميع يتلمسون طريقهم فقط ويتعاملون مع أشياء غير ملموسة»[5]. لكن وراء اقتراح مارتوف كان هناك نوع من "الليونة"، وموقف تصالحي وصل إلى حد إزالة الفرق بين الأعضاء وبين المتعاطفين، بين المناضلين الثوريين وبين المتعاونين العرضيين. في اللحظة التي كان يجب أن تتركز خلالها كل طاقات الإيسكرا على مكافحة النزعة الفوضوية المائعة القديمة وعقلية الحلقات الصغرى، كان موقف مارتوف يمثل خطوة كبيرة الى الوراء. لا عجب أن أدى إلى اندلاع صراع حاد داخل معسكر الإيسكرا، داخل وخارج أروقة المؤتمر. في الأشهر والسنوات التي تلت المؤتمر، تم اختلاق أساطير حول هذا الحادث، تزعم بعضها أن لينين دافع عن المركزية الديكتاتورية وعن إنشاء حزب تآمري صغير، في حين كان هدف مارتوف بناء حزب ديمقراطي واسع، من شأنه أن يسمح للعمال بالمشاركة فيه. لكن كلتا الفكرتان خاطئتان تماما.

في البداية لا بد أن نوضح أن جميع أنصار الإيسكرا كانوا متفقين على ضرورة وجود حزب قوي ممركز. وقد كان هذا واحدا من الأسباب الرئيسية للنضال ضد نزعة البوند الفيدرالية القومية، والذي لعب فيه مارتوف وتروتسكي الدور الرئيسي. ومباشرة قبل مناقشة البند الأول، نجد في المحضر مارتوف يقول: «أود أن أذكر الرفيق ليبر أن المبدأ التنظيمي لدينا ليس استقلالا ذاتيا واسعا بل مركزية صارمة»، وبالمناسبة كان البوند نفسه منظمة ممركزة إلى حد كبير. إن معارضته المزعومة للمركزية لا تطبق إلا في وجه الحزب ككل، وكانت تعكس فقط دفاعه غير النزيه عن المصالح الفئوية الخاصة به. أما بالنسبة للحجة الديماغوجية القائلة بأن المقصود بصيغة مارتوف كان "فتح الحزب للعمال"، فإنها هي أيضا تحريف للحقيقة. في بداية النقاش فضح أكسلرود المسألة من خلال المثال التالي، الذي كشف عن حقيقة ما كان وراء الاقتراح:

«وبالفعل، دعونا نأخذ على سبيل المثال أستاذا يعتبر نفسه اشتراكيا ديمقراطيا ويعلن نفسه على هذا النحو. إذا ما اعتمدنا صيغة لينين سنرمي في البحر بجزء من أولئك الذين، حتى ولو لم يكن من الممكن قبولهم مباشرة في منظمة ما، فإنهم على الرغم من ذلك أعضاء... يجب علينا أن نحرص على ألا نترك خارج صفوف الحزب هؤلاء الأشخاص الذين يربطون أنفسهم بوعي بالحزب، على الرغم من أنهم ربما ليسو نشيطين بشكل كبير».[6]

لا توجد الطبقة العاملة ومنظماتها في الفراغ، بل هي محاطة بطبقات وفئات اجتماعية أخرى. وضغط الطبقات الأخرى والرأي العام البرجوازي، وخصوصا الضغوط من الفئات الوسطى والطبقة المتوسطة، والمثقفين الذين يحيطون بمنظمات العمال، ضغط موجود دائما. إن مطالب هذه الفئات بأنه يجب على العمال أن يكيفوا برنامجهم وأساليبهم وهياكلهم التنظيمية لتتناسب مع أحكامها المسبقة ومصالح البرجوازية الصغيرة، هي ضغط مستمر. لقد تركت الفترة الطويلة من القرب والتعايش مع أبناء الطبقة الوسطى الجذريين، في شخص الماركسيين الشرعيين، بصماتها على وعي الأعضاء كبار السن داخل فرقة تحرير العمل. كانوا يتحركون بين شرائح اجتماعية معزولة عن الطبقة العاملة، وشكلوا صداقات شخصية مع أساتذة الجامعات والمحامين والأطباء الجذريين شبه الماركسيين الذين كانوا يساعدونهم بالهبات المالية وكلمات التشجيع، لكنهم لم يكونوا مستعدين لتلويث أياديهم بالعمل الثوري العملي. «أنا أؤيد أهدافك، لكن أن أعلن أني اشتراكي فذلك مسألة غير ملائمة ومحفوفة بالمخاطر. فكر في وظيفتي وموقعي ومستقبلي المهني»، وما إلى ذلك. وبشكل غير واع، أو ربما بشكل شبه واع، كان أكسلرود وزاسوليتش ومارتوف يتصرفون بكونهم المتحدثين باسم هذه الفئة الاجتماعية، وأداة لنقل ضغوط الطبقات الأخرى إلى داخل صفوف حزب العمال.

وجد بليخانوف نفسه في موقف صعب بسبب هذا الانقسام، حيث أصدقائه وزملائه مدى الحياة وقفوا ضده. وللمرة الأولى في حياتها، وقفت زاسوليتش علنا ضد مرشدها. لا بد أن ذلك كان صدمة له، لكن ما يحسب له هو أنه قاوم الضغط في المؤتمر. كانت كل غريزته الثورية تقول له إن لينين كان على حق. وفي سياق النقاش هدم بلا رحمة حجج أكسلرود ومارتوف، حيث قال:

«وفقا لمشروع لينين، فقط شخص ينضم إلى منظمة معينة من منظمات الحزب يمكن اعتباره عضوا في الحزب. يقول أولئك الذين يعارضون مشروعه إن هذا سوف يسبب صعوبات لا لزوم لها. لكن ما هي هذه الصعوبات؟ إنهم يتحدثون عن أشخاص لا يرغبون في الانضمام، أو لا يستطيعون الانضمام، إلى واحدة من منظماتنا. لكن لماذا لا يمكنهم ذلك؟ وباعتباري شخصا شارك هو أيضا في المنظمات الثورية الروسية، أقول إنني لا أعترف بوجود ظروف موضوعية قاهرة تمنع أي شخص من الانضمام. أما بالنسبة لهؤلاء السادة الذين لا يريدون الانضمام، فنحن لا حاجة لنا بهم.

لقد قيل هنا إن بعض الأساتذة الذين يتعاطفون مع أفكارنا قد يجدون أنه من المهين لهم الانضمام الى منظمة محلية من منظمات الحزب. وفي هذا الصدد أتذكر قول إنجلز بأنه عندما تصير مضطرا لأن تتعامل كثيرا مع الأساتذة، يجب عليك أن تكون مستعدا للأسوء (ضحك).

أعطي مثالا، وهو، في الواقع، مثال سيء للغاية. لو أن أستاذا ما لعلم المصريات يعتبر أنه، بسبب كونه يحفظ عن ظهر قلب أسماء جميع الفراعنة ويعرف كل الصلواة التي كان المصريون يقدمونها للثور أبيس، سيكون من الحاط بكرامته الانضمام الى منظمتنا، فإننا لسنا بحاجة لذلك الأستاذ.

إن الحديث عن رقابة الحزب على الأشخاص الذين هم خارج المنظمة يعني اللعب بالكلمات. هذه الرقابة مستحيلة عمليا».

وبعد مناقشات ساخنة، تمت الموافقة على صيغة مارتوف بنسبة 28 صوتا مقابل 23، لكن ذلك تم فقط بسبب العناصر المترددة في فريق الإيسكرا إلى جانب الاقتصادويين والبوند و"الوسط" الممثل بالتيار المتحلق حول جريدة يوجني رابوتشي. ومع ذلك فإن الانقسام لم يكن قد اكتسب بعد صفة محددة. أظهر لينين، في سياق المناقشة، أنه ما يزال حريصا على التوصل إلى اتفاق: «أولا، فيما يتعلق باقتراح أكسلرود اللطيف (أنا لا أتكلم بسخرية) بـ "عقد صفقة"، أود أن أستجيب عن طيب خاطر لهذا النداء لأنني لا أرى مطلقا أن اختلافنا حيوي إلى درجة أن يكون مسألة حياة أو موت بالنسبة للحزب. سوف لن نموت بالتأكيد بسبب نقطة سيئة في القوانين!».[7]

من وجهة النظر الماركسية لايمكن للمسائل التنظيمية أبدا أن تكون حاسمة. لا توجد قوانين ثابتة أبدية تحكم طريقة تنظيم الحزب الثوري. يجب أن تتغير القوانين والهياكل التنظيمية مع الظروف المتغيرة وتماشيا مع تطور الحزب. لينين الذي جادل بحماس من أجل تقييد حق العضوية داخل الحزب في عام 1903، هو نفسه الذي دافع، في ظل ظروف تاريخية مختلفة، في عام 1912، أي عندما كان الحزب يتحول إلى قوة جماهيرية تمثل الأغلبية الساحقة من الطبقة العاملة النشيطة في روسيا، عن أن الحزب ينبغي أن يفتح أبوابه لأي عامل يعتبر نفسه بلشفيا، وهي الصيغة التي تردد، على ما يبدو، عبارة مارتوف الشهيرة بأنه «يجب أن يصير كل مضرب قادرا على إعلان نفسه عضوا في الحزب». هل هذا يعني أن لينين كان مخطئا وأن مارتوف كان على حق في عام 1903؟ إن مثل هذا الاستنتاج تعبير عن سوء فهم مطلق للعلاقة الجدلية بين طريقة عمل الحزب الثوري وبين المرحلة المحددة التي يمر من خلالها كل من الحزب وحركة الطبقة العاملة. يجب أن يبنى المنزل على أسس متينة. وفي عام 1903، كان الحزب ما يزال يخطو أول خطوات مترددة تجاه كسب النفوذ بين الجماهير. كان من الضروري التشديد الكبير على المبادئ السياسية والتنظيمية الأساسية، وقبل كل شيء الحاجة إلى كوادر عمالية تمتلك فهما واضحا للأفكار ولأساليب العمل الماركسية. وكان هذا أكثر ضرورة في ضوء الفترة الفوضوية التي سبقت. كان ترك الأبواب مفتوحة في تلك المرحلة الملموسة سيؤدي إلى نتائج كارثية، على الرغم من أنه في لحظة مختلفة سيكون من الضروري أن تفعل ذلك بالضبط.

هوامش:

[1] Krupskaya, O Vladimirye Ilyiche, 1924 edition, vol. 1, p. 81.

[2] Trotsky, The History of the Russian Revolution, pp. 890-1.

[3] 1903, Minutes of the Second Congress of the RSDLP, p. 81.

[4] للمزيد من الشروحات المفصلة، انظر كتاب لينين: خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء.

[5] Trotsky, My Life, p. 160.

[6] 1903, Minutes of the Second Congress of the RSDLP, pp. 308 and 311 (التشديد من عندي- آلان وودز-).

[7] 1903, Minutes of the Second Congress of the RSDLP, pp. 321 and 326 (التشديد من عندي- آلان وودز-).

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا