marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الأول: ميلاد الحركة الماركسية الروسية

ميلاد الإيسكرا


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

واجهة العدد الأول لجريدة الأيسكرا

أدت مشاركة القادة الروس المنفيين في الصراع إلى ترجيح الكفة بشكل حاسم لصالح بليخانوف. وشكل لينين، الذي كان ما يزال في سيبيريا، تحالفا ثلاثيا "ترويكا" مع مارتوف وبوتريسوف، وهو التحالف الذي اتخذ، بإصرار من لينين، خطوات لإقامة الأواصر مع مجموعة تحرير العمل. وكانت فكرته الأساسية هي إعادة بناء الحزب حول صحيفة ماركسية حقيقية. وكان من الواضح أن هذا المشروع لم يكن ممكنا إلا إذا انضموا إلى بليخانوف في المنفى الأوروبي. بعد أن أنهى فترة محكوميته في المنفى، سافر لينين، في أوائل عام 1900، بشكل غير قانوني إلى سان بيترسبورغ، حيث التقى فيرا زاسوليتش، التي كانت قد جاءت مبعوثة لإقامة الاتصالات مع الداخل. شهدت الأشهر التالية الاستعدادات لنشر جريدة جديدة (إيسكرا)، وشهدت سلسلة من الزيارات للمجموعات الاشتراكية الديمقراطية في أنحاء مختلفة من روسيا الأوروبية، حيث تفاجأ لينين، ورفاقه في الفكر، بحجم الترحيب الذي لاقته أفكارهم من قبل قسم كبير من القواعد. وبحلول صيف عام 1900، كان كل شيء جاهزا لإقامة الاتصال المباشر مع مجموعة بليخانوف.

سافر لينين إلى سويسرا في يوليوز تغمره آمال كبيرة. لكن ارتفاع معنوياته لم يدم طويلا، إذ أن أعصاب بليخانوف، بعد التجربة المريرة للانقسام في الاتحاد، كانت جد متوترة. كان متجهما ومستاء وشديد الشك في القادمين الجدد. أظهرت المناقشات التي تمت بين بليخانوف وأكسلرود وزاسوليتش من جهة، وبين لينين وبوتريسوف من جهة أخرى جوا متوترا للغاية. أحس لينين وبوتريسوف بالصدمة من طريقة بليخانوف المتشددة والوقحة في التعامل. في بعض الأحيان كان يبدو أن المفاوضات قريبة من الانهيار. وقد عبر لينين في مقاله "كيف كادت الشرارة أن تنطفئ"[1] - الذي كتبه بعد عودته وبينما الأحداث الأخيرة ما تزال حية في ذهنه - عن الانطباع المؤلم الذي خلقه له سلوك بليخانوف: «لقد اختفى "افتتاني" ببليخانوف كما لو كان بفعل السحر، وشعرت بالإهانة والمرارة إلى درجة لا تصدق. لم يسبق لي أبدا في حياتي، أبدا، أن نظرت إلى أي رجل آخر بذلك القدر من الاحترام الصادق وذلك التبجيل، لم يسبق لي أبدا أن وقفت أمام أي رجل بمثل ذلك "التواضع" ولم يسبق لي أن "طردت" بمثل تلك القسوة».

يمكن فهم سلوك بليخانوف. لقد كانت له سلسلة من التجارب السيئة مع الشباب القادمين من الداخل، وكان ما يزال يعاني من آثار الانقلاب الذي نظمه الشباب في الاتحاد بالخارج. إضافة إلى أنه كان هناك أيضا اختلاف في الرأي بشأن كيفية المضي قدما. اضطر لينين والآخرون، بسبب رغبتهم في الحفاظ على أكبر قدر ممكن من قوات الحركة في روسيا، إلى أن يقدموا عددا من التنازلات لستروفه، بما في ذلك ما ورد في مشروع الإعلان الأصلي حول أن جريدة الإيسكرا ستكون مفتوحة أمام مختلف التيارات السياسية. التقط بليخانوف هذا الخطأ وعمل على تنفيس غضبه المتراكم على القادمين الجدد المندهشين. ألقى هذا الحادث الضوء على الوضع داخل مجموعة تحرير العمل. كانت الفترة الطويلة من العزلة عن الحركة العمالية في روسيا قد تركت آثارها على المنظمة.

بعد سنوات عديدة، في عام 1922، عندما كانت ثورة أكتوبر قد بلغت بالفعل خمس سنوات من عمرها، وكان بليخانوف قد توفي قبل أربع سنوات، أوضح تروتسكي كلا من جانبي القوة والضعف لدى بليخانوف بالعبارات التالية: «كان بليخانوف يتحدث مثل مراقب، مثل ناقد، مثل داعية، لكن ليس مثل زعيم. لقد منعه مصيره كله من فرصة التواصل مباشرة مع الجماهير وتعبئتهم للعمل وقيادتهم. لقد جاءت جوانب ضعفه من نفس المصدر الذي جاءت منه نقاط قوته: كان رائدا، كان أول من أدخل الماركسية إلى الأراضي الروسية... لم يكن زعيم البروليتاريا النشيطة، لكنه كان مجرد داعية نظري. لقد دافع بالجدال عن المنهج الماركسي، لكن لم تكن له الفرصة لتطبيقه على أرض الواقع. وعلى الرغم من أنه عاش لعدة عقود في سويسرا، فإنه بقي منفيا روسيا. لم تثر اهتمامه اشتراكية البلديات والكانتونات الانتهازية السويسرية بمستواها النظري المنخفض للغاية. لم يكن هناك حزب روسي، لكن مجموعة تحرير العمل كانت قد حلت بالنسبة لبليخانوف محل ذلك الحزب، وهي المجموعة التي كانت مجرد حلقة مغلقة من المتعاطفين (بليخانوف، أكسلرود، زاسوليتش ودويتش، الذي كان محكوما بالأشغال الشاقة). وكلما سعى بليخانوف أكثر لتقوية الجذور النظرية والفلسفية لمجموعته كلما افتقد لتلك الجذور السياسية. وكمراقب للحركة العمالية الأوروبية، لم يول انتباها كبيرا لمظاهر ضيق الأفق السياسي والجبن والميل إلى المساومات داخل الأحزاب الاشتراكية، لكنه كان دائما على أهبة الاستعداد للتصدي للتشويهات النظرية في الأدب الاشتراكي. لقد كان هذا الفصل الخاطئ بين النظرية والممارسة، الذي نشأ من وضع بليخانوف نفسه، مسألة مضرة له. لقد أثبت أنه غير مستعد للأحداث السياسية الكبيرة على الرغم من استعداده النظري الكبير».[2]

كشف الاجتماع مع لينين وبوتريسوف مدى تخلف أعضاء مجموعة تحرير العمل عن متطلبات المرحلة الحالية للحركة. فطرق التعامل غير الرسمية والرخاوة التنظيمية والخلط بين المسائل الشخصية وبين القضايا السياسية، والتي هي السمة المميزة للحياة داخل حلقة الدعاية الصغيرة، تصبح عوائق هائلة بمجرد ما يصير تنظيم حزب جماهيري والتدخل الجدي في الحركة الجماهيرية على جدول الأعمال. يعود الفضل في تجنب حدوث الانشقاق إلى قدرة لينين الهائلة على الصبر وأيضا إلى حقيقة أن عواقب الانشقاق كانت واضحة للجميع. لكن على الرغم من إقامة علاقات عمل جيدة إلى حد معقول، فإن الأسباب العميقة للصراع بقيت بدون حل وكان من الحتمي ظهورها من جديد بقوة مضاعفة في المستقبل. الحل الوسط الذي تم التوصل إليه في نهاية المطاف بين الجانبين نص على أن تكون للإيسكرا هيئة تحرير مكونة من ستة أعضاء، هم الثلاثي لينين ومارتوف وبوتريسوف وثلاثة أعضاء من مجموعة تحرير العمل هم بليخانوف وأكسلرود وزاسوليتش، مع منح بليخانوف صوتا إضافيا. كان زمام السيطرة على الجريدة النظرية، زاريا (الفجر)، في أيدي بليخانوف فعليا. لكن العلاقات بين الأعضاء القدامى لمجموعة تحرير العمل وبين الأعضاء الجدد لهيئة التحرير أصيبت بأضرار جسيمة. كتب لينين: «ظاهريا كان كما لو أن شيئا لم يحدث: حيث استمر الجهاز التنظيمي يعمل كما كان يعمل من قبل، لكن حبلا كان قد انقطع في غضون ذلك، وبدلا من بناء علاقات شخصية جيدة، سادت علاقات جافة شبيهة بعلاقات الشغل، مع الحساب المستمر وفقا لمبدأ: si vis pacem, para bellum [إذا كنت ترغب في السلام عليك الاستعداد للحرب]».[3]

تم نشر إعلان هيئة تحرير الإيسكرا[4] في شهر شتنبر. وقد بدا وكأنه إعلان حرب على كل التيارات الأخرى داخل الحركة العمالية الروسية. وعلى عكس المشروع الأصلي الذي وضعته الترويكا [لينين ومارتوف وبوتريسوف - م -]، ندد الإعلان بالاسم ليس فقط ببيرنشتاين ورابوتشايا ميسل، بل أيضا برابوتشييه ديلو وستروفه (أصر بليخانوف على التنديد بهذا الأخير على وجه الخصوص). كانت المسودة الأولية التي كتبها لينين قد صيغت بعبارات عامة أكثر ميلا للمصالحة، لكن النسخة المعدلة كتبت بلهجة أكثر حدة:

«قبل أن نتمكن من أن نتحد، ولكي يتسنى لنا أن نتحد، يجب علينا أولا وقبل كل شيء أن نرسم بيننا حدودا حازمة وواضحة. وإلا فإن وحدتنا ستكون من وحي الخيال المحض، حيث سيتم إخفاء الارتباك السائد، ويعرقل عملية القضاء عليه. وبالتالي فإنه من المفهوم أننا لا ننوي أن نجعل جريدتنا مجرد مخزن لوجهات النظر المختلفة، بل على العكس من ذلك يتعين علينا أن نصدرها على أساس توجه محدد بدقة. ويمكن التعبير عن هذا التوجه بكلمة: الماركسية، وبالكاد هناك حاجة إلى أن نضيف أننا نتبنى التطوير المنسجم لأفكار ماركس وإنجلز ونرفض بشكل قاطع "التصحيحات" المراوغة والغامضة والانتهازية التي قام بها إدوارد بيرنشتاين، وب. ستروفه وغيرهما».[5]

كانت الإدانة الصريحة للماركسية الشرعية بذكر ممثلها الأبرز بالاسم نقطة تحول. لكن رغم ذلك فإن ستروفه لم يقم بالقطع فورا مع الماركسية، حتى أنه أسهم بمقالة أو مقالتين في الأعداد الأولى للجريدة. إلا أن أول لقاء لستروفه مع لينين في المنفى، أواخر عام 1900، أدى إلى مواجهة مفتوحة. كانت مطالب ستروفه المتغطرسة بإعطائه السيطرة على الخط التحريري للجريدة بداية القطيعة. إن العلاقة بين الماركسيين وبين الجناح اليساري للتيار الليبرالي، الذي عرف باسم الماركسية الشرعية، كانت كما أوضح لينين، في وقت لاحق، أول مثال على اتفاق عرضي بين الماركسيين الروس وبين تيار سياسي آخر. دون تقديم أي تنازلات مبدئية ومع الحفاظ على النقد الحازم للانحرافات السياسية للماركسيين الشرعيين، كان لينين على استعداد للدخول في اتفاقات عملية معهم من أجل دفع عجلة العمل في روسيا ومراوغة الشرطة والرقابة والوصول إلى جمهور أوسع من ذلك الذي كان من الممكن الوصول إليه مع القيود الضيقة للعمل غير الشرعي. لكن كان هناك تناقض أساسي منذ البداية. كان التياران متعارضان جذريا، وفي نهاية المطاف كان لا بد من التغلب على ذلك التناقض عن طريق انتصار أحدهما على الآخر.

في مرحلة من المراحل بدا كما لو أن أنصار النزعة الإقتصادوية والتحريفية قد فازوا، لو حدث ذلك كانت الحركة العمالية الروسية ستجد نفسها مقيدة إلى عربة الليبرالية. وكانت الوسيلة التي من خلالها سيتم فرض هذه التبعية السياسية هي الماركسية الشرعية. أدى إصدار الإيسكرا، مع موقفها الحازم من النزعة الإقتصادوية والتحريفية ودفاعها العنيد عن استقلالية الطبقة العاملة والانتقاد الصارم لليبراليين، إلى تحويل الوضع بشكل جذري. الآن وجد ستروفه وحلفاؤه أنفسهم في موقف دفاعي. ومع ذلك استمر ستروفه يحاول استخدام اسمه ونفوذه للسيطرة على الجريدة الجديدة، لدفعها وحثها على الوصول إلى توافق فاسد مع الأفكار القديمة التي فقدت مصداقيتها. لم تكن شكوى ستروفه من أن لينين كان يحاول "استخدامه" ليقنع أيا كان، بالنظر إلى أنه هو نفسه [ستروفه] كان في الفترة السابقة قد استخدم بكلبية نفوذه الكبير للتأثير على قوات الاشتراكية الديمقراطية الروسية، الضعيفة وغير الناضجة، لتمييع وتشويه أفكارها الأساسية وتحويلها إلى مجرد ذيل لليبرالية.

على عكس الانطباع الذي يخلقه المؤرخون البرجوازيون لم يكن هناك أي شيء شائن أو خياني في موقف لينين من الخصوم السياسيين مثل ستروفه. كان الدخول في مثل تلك الاتفاقات العملية يتم بحرية من كلا الطرفين، وكان كلاهما يدخلونها بعيونهم مفتوحة. وكما رأينا فقد تعرض لينين لانتقادات شديدة من قبل بليخانوف الذي اعتبر أنه قدم الكثير من التنازلات لستروفه. كان ذلك جزءا من شخصية لينين، حيث أنه كان دائما صارما جدا فيما يتعلق بالمبادئ السياسية، بينما كان دائما مرنا للغاية بشأن المسائل التنظيمية وفي تعامله مع الناس. كان لينين يعرف كيف يقدر الناس ذوي الموهبة، والذين مهما كانت أوجه القصور عندهم، كان يسعى بمنتهى الصبر للاستفادة من قدراتهم على بناء الحركة. لكن كان هناك أيضا جانب آخر: فبمجرد ما يقتنع لينين بأن أحدهم عدو للأفكار الماركسية لا يمكن إصلاحه، كان لا يتردد في استخلاص جميع الاستنتاجات الضرورية وخوض نضال سياسي لا هوادة فيه ضده. وفي هذا الصدد كان موقف لينين مناقضا بشكل صارخ لموقف أعضاء مجموعة تحرير العمل.

لم يكن أعضاء المجموعة القديمة، وخاصة زاسوليتش وأكسلرود، قادرين على دفع أنفسهم لإحراق الجسور التي كانت ما تزال تربطهم بتلك الفئة من المثقفين شبه الليبراليين، رفاق نصف الطريق، مثل ستروفه، حتى بعد عام 1902 عندما صار انتقالهم إلى معسكر اللبرالية البرجوازية واضحا للجميع. ومع ذلك فقد كان بليخانوف هو الذي طلب بأن يشن لينين هجوما علنيا على ستروفه في بيان هيئة التحرير! لقد أظهرت هذه الحادثة أيضا الاختلاف الكبير في أسلوب وشخصية الرجلين. وقد عبرت زاسوليتش مرة عن ذلك بوضوح بالكلمات التالية: «جورج (بليخانوف) كلب سلوقي: إنه يقبض ضحيته من القفا وفي النهاية يطلقها، لكنك أنت (لينين) كلب بلدغ: لا تدعها تفلت».[6] ومنذ عام 1895 كان أكسلرود قد انتقد لينين على هجماته الشديدة التي شنها على ستروفه في مقاله: المحتوى الاقتصادي للنارودنية ونقد كتاب السيد ستروفه.[7] اشتكى أكسلرود قائلا:

«لديك موقف هو العكس تماما مع موقف المقال الذي كنت أكتبه للمختارات [المقال كما هي العادة لم ينته ولم يصدر أبدا]. إنك تخلط مواقفنا من الليبراليين بمواقف الاشتراكيين من الليبراليين في الغرب. وقد كنت للتو بصدد كتابة مقال للمختارات بعنوان "مطلب الحياة الروسية"، والذي كنت سأوضح فيه أنه في هذه اللحظة التاريخية، قد تلاقت المصلحة المباشرة للبروليتاريا في روسيا مع المصالح الرئيسية للعناصر التقدمية الأخرى بين صفوف الشعب…»

«أجاب أوليانوف مبتسما: أتعرف، لقد قال بليخانوف نفس الشيء بالضبط عن مقالتي. لقد عبر ببلاغة عن فكرته حيث قال: "أنت تدير ظهرك لليبراليين ونحن ندير وجهنا لهم...".»[8]

كانت معارضة لينين العنيدة لليبراليين على خلاف تام مع موقف بقية أعضاء هيئة التحرير القدامى. وقد عارضتها زاسوليتش على وجه الخصوص:

«بدأت زاسوليتش في الشكوى، بلهجتها المميزة الخجولة، التي تستعملها دائما في مثل هذه المناسبات، من أننا نهاجم الليبراليين أكثر من اللازم. وقد كانت تلك نقطة حساسة بالنسبة لها.

قالت: "انظر كم هم حريصون على ذلك"، وهي تتلافى النظر في اتجاه لينين، على الرغم من أنها كانت تقصده هو بالتحديد. "طالب ستروفه الليبراليين الروس بعدم التخلي عن الاشتراكية لأنهم إذا فعلوا ذلك سيواجهون نفس مصير الليبراليين الألمان؛ كان يقول إنه عليهم أن يحذوا حذو الاشتراكيين الراديكاليين الفرنسيين.

قال لينين بابتسامة مرحة: "علينا أن نضربهم أكثر"، كما لو أنه كان يريد إغاظة فيرا إيفانوفا.

فردت بيأس: "هذا لطيف! إنهم يأتون إلينا، ونحن نضربهم".»[9]

كانت الإيسكرا صحيفة ناجحة جدا لأنها أجابت عن عدد من الاحتياجات. فقد كانت صحيفة عمالية نموذجية. كانت تستعمل لغة سهلة، دون أي أثر للابتذال، يمكن لأي عامل ذكي أن يفهمها، وكانت الرد النظري على أفكار الاقتصادويين وحلفائهم. وبعد تلك السنوات الطويلة من الارتباك الأيديولوجي، كان رد فعل العمال الاشتراكيين في روسيا تجاه الصحيفة الجديدة مشابها لموقف أرسطو عندما شبه الفيلسوف أنكساغوراس بكونه "الرجل العاقل بين السكارى". عرضت الصحيفة في صفحتها الأولى جملة مقتبسة من رسالة الديسمبريين إلى الشاعر بوشكين عندما كان في المنفى في سيبيريا: "سوف تشعل الشرارة اللهب"، وهي العبارة التي صارت حقيقة بعد ما يقرب من قرن على كتابتها.

فإلى جانب الفضح المنهجي لجرائم النظام القيصري في الداخل كانت تعرض شرحا مفصلا للسياسة الخارجية، وتعري تعقيدات ومناورات الدبلوماسية البرجوازية. وكانت تتتبع عن كثب حياة الحركة العمالية العالمية. لكن الإيسكرا كانت، قبل كل شيء، صحيفة تعكس بدقة حياة الطبقة العاملة ونضالاتها وتطلعاتها. كانت تخصص في كل عدد مجالا واسعا لنشر تقارير موجزة من المصانع والأحياء العمالية، التي كان مراسلو الإيسكرا يجمعونها بشق الأنفس داخل روسيا ويهربونها بطرق سرية. وبهذه الطريقة كان العمال من مختلف أنحاء روسيا يتعرفون، غالبا بعد أشهر من التأخير، على أخبار نضالات إخوانهم وأخواتهم في أجزاء أخرى من البلاد والخارج. لا عجب أن الجريدة كانت تلاقي نجاحا باهرا في الداخل. فزاد عدد لجان الحزب المحلية المرتبطة بالجريدة بسرعة، وفتح آفاقا جديدة يوميا، لكنه فرض أيضا أعباء ثقيلة على جهاز الحزب الضعيف في المنفى.

في العدد السابع للإيسكرا (غشت 1901)، عبرت رسالة من عامل نسيج عن الحماس الكبير الذي كان العمال المتقدمون في روسيا يستقبلون به أعدادها:

«عندما أظهرت جريدة الإيسكرا لبعض رفاقي العمال قرأناها حتى صارت النسخة في حالة يرثى لها بكثرة الانتقال من يد إلى يد، إننا نقدرها أكثر بكثير من جريدة ميسل، على الرغم من أنه لا يوجد فيها مقال لنا. إن الإيسكرا تكتب عن قضيتنا، عن قضية عموم روسيا التي لا يمكن تقييمها بالكوبيكات أو قياسها بالساعات: عندما تقرأ الصحيفة تفهم لماذا رجال الدرك والشرطة يخافون منا نحن العمال ومن المثقفين الذين نتبعهم. إنهم يشكلون تهديدا حقيقيا، ليس لجيوب أرباب العمل فقط، بل أيضا للقيصر ولأرباب العمل ولكل الآخرين... لن يمر الآن الكثير من الوقت قبل أن تشتعل نار العمال. كل ما هو مطلوب هو الشرارة وعندها ستندلع النار. كم هي صادقة تلك العبارة التي تقول:"سوف تشعل الشرارة اللهب!". في الماضي كان كل إضراب حدثا هاما، لكن الجميع يرى اليوم أن الإضرابات وحدها ليست كافية وأنه يجب علينا الكفاح من أجل الحرية، وكسبها من خلال النضال. الجميع اليوم، كبارا وصغارا، حريصون على القراءة لكن الشيء المحزن هو أنه لا توجد كتب. يوم الأحد الماضي، جمعت 11 شخصا وقرأت لهم مقال: "بما نبدأ"، وقد ناقشناه حتى وقت متأخر من المساء. كم تمكن [المقال] من التعبير بشكل جيد عن كل شيء، كم استطاع الوصول إلى جوهر الأمور... لذا قررنا أن نبعث رسالة إليكم ونطلب منكم كيف يمكنكم تعليمنا ليس فقط كيف نبدأ، بل كيف نعيش وكيف نموت».[10]

أراد بليخانوف وأكسلرود أن يتم إصدار الصحيفة في سويسرا، حيث يمكنهما ممارسة الرقابة عليها. بينما كان لينين ومارتوف وبوتريسوف عازمين على إصدارها في مكان آخر، وانتقلوا إلى ميونيخ. في واقع الأمر لم يستوعب أعضاء مجموعة تحرير العمل تماما أهمية الإيسكرا باعتبارها وسيلة لتنظيم الحزب. لقد ركزوا اهتمامهم على زاريا، التي كانت تصدر بطريقة شرعية في شتوتغارت، بين أبريل 1901 وغشت 1902، عندما صدرت أربعة أعداد في ثلاث نشرات. وكان العضو الوحيد من مجموعة تحرير العمل الذي كان حريصا على المشاركة في الإيسكرا هي فيرا زاسوليتش، التي سافرت إلى ميونيخ بجواز سفر بلغاري مزور. هبط الجزء الأكبر من ثقل العمل التنظيمي للجريدة على كاهل لينين. وقد لعبت زوجته ناديجدا كروبسكايا دورا هاما جدا في التعامل مع المراسلات الكثيرة مع روسيا والتي كانت تصل إليهم بشكل غير مباشر، عبر عناوين الرفاق الألمان، والذي كانوا يحيلونها إلى كروبسكايا.

وكانت مهمة تنظيم شبكة نقل غير شرعية مهمة حافلة بالصعوبات. وحسب أوسيب بياتنيتسكي (اسمه الحركي فريتاغ)، والذي صار في وقت لاحق المسؤول عن هذا العمل، كان نقل الإيسكرا من برلين إلى ريجا ثم فيلنا فبيترسبورغ يستغرق عدة أشهر. كما أنه لم يكن عملا خاليا تماما من الأخطاء من جميع الأنواع. في سيرته الذاتية، مذكرات بلشفي (Zapiski Bol’shevika) وضح بياتنيتسكي كيف كانوا يستفيدون من خدمات الطلاب الروس لتمرير الوثائق والجريدة إلى روسيا من خلال حقائب تحتوي على فجوات سرية. كانت تلك الحقائب تصنع في مصنع صغير في برلين. وقد حقق طلبا كبيرا على منتوجه. لكن سرعان ما انتبه حرس الحدود إلى الخدعة، إذ تعلموا البحث في تلك الحقائب التي اتضح أنها من نفس النوع ! بعد ذلك بدءوا في استخدام الحقائب العادية، مع إدخال ما بين 100 و150 نسخة من الجريدة مخبأة تحت قاع مزيف من الورق المقوى. لكن الطلب على الإيسكرا فاق باستمرار الإمدادات، فكان ينبغي إيجاد وسائل جديدة. كان في الإمكان إدخال ما بين 200 و300 نسخة في صدريات وتنانير خيطت خصيصا لذلك الغرض. وحتى مع ذلك، كان من الضروري استكمال هذه الأساليب بإنشاء مطابع سرية داخل روسيا، كانت تطبع الإيسكرا باستعمال النسخ التي كان يتم تهريبها من الخارج. تم تأسيس مطابع من هذا النوع في موسكو وأوديسا وباكو. وقد استنزفت تفاصيل هذا العمل الكثيرة قدرا هائلا من الوقت والطاقة، كما أنها استنزفت الكثير من المال، الذي كان يجمع من المتعاطفين من طرف وكلاء الإيسكرا في برلين وباريس وسويسرا وبلجيكا، الذين كانوا يبحثون بشكل دائم عن الأموال والمسافرين الذين هم على استعداد لحمل الجريدة وإقامة الاتصالات والعناوين الآمنة وما إلى ذلك.

هوامش:

1 - نفسه. ص: 333- 349

2 - Trotsky, Political Profiles, pp. 85-7.

3 - LCW, How the ‘Spark’ was nearly Extinguished, vol. 4, p. 348.

4 - LCW, vol. 4, pp. 351-6.

5 - انظر مسودة لينين الأولية في الأعمال الكاملة –بالانجليزية- تحت عنوان (Draft of a Declaration of the Editorial Board of Iskra and Zarya, vol. 4, pp. 320-330). الاستشهاد هنا مقتطف من الأعمال الكاملة -بالانجليزية- المجلد 4، ص. ص: 354- 355.

6 - منقول عن كتاب تروتسكي: Lenin

7 - LCW, vol. 1, pp. 333-507.

8 - Perepiska GV Plekhanova i PB Aksel’roda, p. 270.

9 - Trotsky, My Life, p. 171.

10 - Iskra, No 7.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا