marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الأول: ميلاد الحركة الماركسية الروسية

رابوتشييه ديلو


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

من المفارقات أن انعقاد المؤتمر الأول تزامن مع دخول مجموعة تحرير العمل في أزمة عميقة. كانت العلاقات مع الشباب المنفيين على حافة الانهيار. ولم يؤد مؤتمر اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين في الخارج، الذي انعقد في زيوريخ في نوفمبر عام 1898، إلا إلى تأكيد عزلة مجموعة تحرير العمل. كانت للشباب في ذلك الاجتماع الأغلبية وقد استخدموها للسيطرة على الاتحاد. ونظرا للخلافات الحادة في الرأي التي ظهرت آنذاك داخل الاتحاد، لم يجد مناضلو مجموعة تحرير العمل أي خيار سوى الاستقالة من مناصبهم. كان قادة الاتحاد، ولا سيما كريشيفسكي وإيفاشين وتيبلوف، يميلون نحو مواقف الاقتصادويين، لكنهم كانوا يشعرون بالحرج من النزعة الإصلاحية والبيرنشتينية الصريحة لرابوتشايا ميسل، التعبير الأكثر تطرفا للإقتصادوية، والممثلة في الاتحاد من طرف س. ن. بروكوبوفيتش وزوجته ي. د. كوسكوفا. لذلك قرروا التخلي عن صحيفة رابوتنيك، وإصدار جريدة خاصة بهم هي: رابوتشييه ديلو، وذلك تماشيا مع قرارات مؤتمر مينسك.

كان ريازانوف، على الرغم من أخطائه، مثقفا موهوبا بدون شك. وبعد الثورة أصبح مديرا لمعهد الماركسية اللينينية، إلى حين تصفيته، مثله مثل آخرين كثيرين غيره، على يد ستالين.

في حين تبنت رابوتشايا ميسل دفاعا واضحا وصريحا عن نظرية بيرنشتاين وعن الإقتصادوية، مثلت رابوتشييه ديلو، كما لاحظ لينين، نزعة «فضفاضة وغير محددة، لكنها لهذا السبب أكثر ثباتا وأكثر قدرة على فرض نفسها في أشكال متنوعة»[1]. صدرت الجريدة باعتبارها لسان حال اتحاد الاشتراكيين الديمقراطيين الروس في الخارج، ما بين 1899 و1902، بهيئة تحرير موجودة في باريس ومطبعة في جنيف. ضمت هيئة تحريرها متحدثين بارزين باسم الإقتصادوية مثل ب. ن. كريشيفسكي وأ. س. مارتينوف. وقد انتقل مارتينوف هذا في وقت لاحق من الإقتصادوية، عبر المنشفية، نحو الستالينية، دون الحاجة إلى تعديل مبادئه الأساسية في أي مرحلة من المراحل.

ومنذ البداية لعب الرابوتشيون لعبة القط والفأر مع الأفكار الماركسية، زاعمين أن خلافاتهم مع مجموعة تحرير العمل ليست سياسية بل تنظيمية وتكتيكية. ومع ذلك فإن الصلة بين رابوتشييه ديلو وبين البيرنشتاينية واضحة من خلال المقالات التي ظهرت في الصحافة الاشتراكية الأوروبية، والتي كتبها محررو رابوتشييه ديلو دفاعا عن بيرنشتاين وميلرند (الزعيم الاشتراكي الانتهازي الفرنسي الذي شارك في حكومة ائتلافية برجوازية في السنوات الأولى من القرن العشرين). يعود الفضل إلى أنصار رابوتشييه ديلو في اختراع نظرية المراحل سيئة الذكر، والتي تبناها المناشفة بشكل معدل، في وقت لاحق، ثم تبناها الستالينيون بعدهم. تقول هذه النظرية الميكانيكية الإصلاحية الفجة إنه قبل أن يصبح العمال جاهزين للقيام بالثورة الاشتراكية عليهم أولا أن يمروا من خلال عدد من المراحل. حيث عليهم أن يكتفوا في المرحلة الأولى بالتحريض الاقتصادي المحض، ثم بعد ذلك التحريض السياسي المرتبط ارتباطا مباشرا بالتحريض الاقتصادي، ومن ثم التحريض السياسي الخالص! لكن العمال الروس، في الواقع، لم ينتظروا الاقتصادويين ليحددوا لهم متى سيصيرون مستعدين للتحريض السياسي، بل إنهم بدءوا في خوض الصراع السياسي، كما اتضح في التطور المتصاعد للإضرابات السياسية والمظاهرات في السنوات الأولى من القرن العشرين.

كانت تلك أسوء اللحظات في حياة مجموعة تحرير العمل. دفعت العزلة وضغوط الصراعات التكتلية إلى السطح بكل الخلافات المتراكمة داخل المجموعة، وكانت أخطر الخلافات على وجه الخصوص تلك التي ظهرت حينها بين أكسلرود وبليخانوف. كان لأكسلرود سبب وجيه للشكوى، حيث كان عليه طيلة سنوات أن يحمل عبء العمل مع الاتحاد، وتحمل وطأة هجمات الشباب، في حين كان بليخانوف غارقا في العمل الأدبي، بل إنه أهمل مؤخرا حتى ذلك العمل. تجاهل بليخانوف لفترة طويلة مناشدات أكسلرود له بالتدخل ضد التيار الجديد، وبدلا من ذلك حاول أن يتعاون مع الجريدة الجديدة، التي كانت قد بدأت تكسب الشعبية. أسباب موقفه ربما كانت متنوعة: فقد يكون سبب ذلك أنه كان غارقا في النضال ضد بيرنشتاين، مما جعله يستنكف عن إضاعة الوقت والجهد في التورط في ما بدا له وكأنها مشاحنات تافهة، أو أنه قلل من حجم الخطر، الذي اعتبره مرحلة عابرة ونزق الشباب. وأغلب الظن هو أنه كان يخشى حدوث انشقاق مع الشباب مما كان من شأنه أن يؤدي إلى قطع علاقاته مع روسيا ويتعرض للاتهام بأنه يقوض عمل الرفاق في الداخل. كان افتقاد قاعدة دعم داخل روسيا مشكلة خطيرة لبليخانوف ورفاقه.

ولكن مع مطلع عام 1899، لم يعد بليخانوف قادرا على التحمل أكثر. كانت القشة الأخيرة التي قصمت الظهر هي عندما تفاخر بيرنشتاين بأن غالبية الاشتراكيين الديمقراطيين الروس كانوا أقرب إلى أفكاره من قربهم لأفكار بليخانوف. وقد اصطف الماركسيون الشرعيون أيضا ستروفه وبولياكوف وبيردياييف علنا وراء النزعة التحريفية. وكان الشيء الأخطر من كل ذلك هو سيطرة الشباب الاقتصادويين، ابتداء من دجنبر 1898، على فرع الحزب الاشتراكي الديمقراطي بسان بيترسبورغ. بليخانوف الذي صار يدرك آنذاك أن التيار الاقتصادوي، الذي كان غير متبلور حتى تلك الفترة، قد صار الآن تنويعة روسية خاصة لتحريفية بيرنشتاين، قرر الاشتغال على رد شامل، فألف مقاله الشهير "دليل موجه إلى هيئة تحرير رابوتشييه ديلو"، والذي ظهر في عام 1900. أتبعه بمقال آخر: "مرة أخرى الاشتراكية والنضال السياسي"، الذي نشر في الصحيفة النظرية الجديدة زاريا، والذي انتقد فيه محاولة رابوتشييه ديلو طمس الفوارق بين الطليعة الثورية الواعية وبين جماهير الطبقة العاملة:

كتب قائلا: «إن الطبقة العاملة كلها شيء، والحزب الاشتراكي الديمقراطي شيء آخر، لأنه لا يشكل سوى كتيبة من الطبقة العاملة، وفي البداية هو كتيبة صغيرة جدا... أعتقد أنه يجب على حزبنا، الذي يمثل الطليعة المتقدمة للبروليتاريا وشريحتها الأكثر انسجاما وثورية، أن يبدأ الصراع السياسي فورا»[2]. وقد ألقى بليخانوف بنفسه حينذاك في ذلك الصراع، بغض النظر عما إذا كان سيتسبب في حدوث الانقسام. وقد تلقت ثقته الجديدة بالنفس دفعة قوية نتيجة للأحداث التي كانت تجري على بعد آلاف الأميال، في سيبيريا.

من أعماق المنفى في سيبيريا، تابع لينين وغيره من المنفيين الاشتراكيين الديمقراطيين بقلق سير الأحداث. وللمفارقة كان من السهل نسبيا بالنسبة لهم الحفاظ على حد أدنى معين من النشاط السياسي، إذ لم يكن عهد معسكرات اعتقال ستالين وهتلر قد بزغ بعد. كان التعامل مع المنفيين السياسيين يختلف إلى حد كبير ما بين القسوة البالغة وبين الظروف الملائمة نسبيا. لكن السلطات القيصرية كانت تكتفي، في معظم الأحوال، بالاعتماد على المسافات الشاسعة التي تفصل المراكز الحضرية عن المستوطنات المعزولة على ضفاف نهر ينسي باعتبارها دفاعات كافية ضد انتشار الأفكار الثورية. عادة لم يكن يتم حبس السجناء السياسيين، لم تكن هناك حاجة لذلك. كانوا يوضعون تحت رقابة مسؤولين محليين لم يكونوا يؤدون المهمة بحماس كبير في كثير من الأحيان. ونتيجة لذلك كان في إمكان الثوريين في المنفى متابعة الأحداث بسهولة نسبية، وتلقي الكتب والصحف وإجراء المراسلات، وحتى عقد اجتماعات غير شرعية. لينين، وفي الوقت الذي كان يشتغل فيه على كتابه الرأسمالية في روسيا، كان يتتبع باهتمام جدالات بليخانوف ضد بيرنشتاين. وجاءت أنباء الأزمة داخل الاتحاد واستقالة بليخانوف بمثابة ضربة مؤلمة. وقد تسبب انتصار تيار الاقتصادويين في الذعر بين المنفيين. بدأ لينين في كتابة سلسلة من المقالات الجدالية من قبيل: "مهمتنا العاجلة"، ومقال: "تيار تراجعي داخل الاشتراكية الديمقراطية الروسية" ومقال "Profession de Foi"ا[3]، حيث عرض أفكار التيار الإقتصادوي لنقد لا يرحم.

كان الحدث الذي أغضب المنفيين هو ظهور مقال "الكريدو" (Credo ) سيئ السمعة الذي كتبته كوسكوفا في وقت مبكر من عام 1899. وحتى مؤلفة الوثيقة نفسها احتجت دائما بأنها لم تكن مخصصة للنشر. بيد انه مع ذلك ليس هناك شك في أن مقال الكريدو كانت لديه ميزة التعبير بطريقة واضحة جدا عن الأفكار الأساسية للإقتصادويين. وقد كتب لينين مقاله الشهير احتجاج الاشتراكيين الديمقراطيين الروس[4] للرد على المقال، وعقد اجتماع للمنفيين السبعة عشر، الذين اجتمعوا في قرية ييرماكوفسكو بسيبيريا، في أواخر صيف عام 1899. صادق المجتمعون بالإجماع على نص لينين، الذي تم إرساله إلى الخارج حيث تم نشره من طرف بليخانوف.

تستحق كلمات الكريدو أن تنقل حرفيا:

«هذا التغيير [في الحزب] لن يتحقق فقط من خلال تقديم دعم أكثر نشاطا للنضال الاقتصادي وتعزيز المنظمات الاقتصادية، بل أيضا، وهذا هو الأهم، من خلال تغيير موقف الحزب من لأحزاب المعارضة الأخرى. الماركسية المتعصبة والماركسية السلبية والماركسية البدائية (والتي تتبنى تصورا تبسيطيا جدا عن الانقسام الطبقي في المجتمع) ستفسح المجال لماركسية ديمقراطية. ويجب أن يشهد الوضع الاجتماعي للحزب داخل المجتمع الحديث عملية تغيير حادة. سوف يعترف الحزب بالمجتمع: وسيتم تحويل مهامه النقابية الضيقة، والعصبوية في معظم الحالات، إلى مهام اجتماعية، وسيتم تحويل سعيه إلى الاستيلاء على السلطة إلى السعي من أجل التغيير والسعي لإصلاح المجتمع الحالي على أسس ديمقراطية متكيفة مع الوضع الراهن، بهدف حماية حقوق (جميع حقوق) الطبقات الكادحة بالطريقة الأكمل والأكثر فعالية...

«إن الحديث عن حزب سياسي عمالي مستقل هو مجرد نتاج لزرع أهداف غريبة وإنجازات غريبة على أرضنا... بالنسبة للماركسي الروسي ليس هناك سوى طريق واحد: المشاركة، أي المساعدة، في النضال الاقتصادي للبروليتاريا، والمشاركة في النشاط الليبرالي المعارض».[5]

منطق الكريدو واضح جدا: ينبغي على الطبقة العاملة ألا تسعى إلى إنشاء حزبها الثوري الخاص بها، بل عليها أن تقتصر على العمل النقابي "العملي" وترك المهمة السياسية لإصلاح النظام الحالي لليبراليين البرجوازيين.

تمثل كتابات لينين الجدالية ضد الاقتصادويين، بدءا من "الاحتجاج"، استمرارية كلاسيكية لأفكار ماركس وإنجلز الأساسية حول مسألة البروليتاريا وحزبها. إن البروليتاريا تبدأ تدريجيا في فهم إمكاناتها التاريخية، لتصبح قوة حقيقية عوض أن تبقى مجرد إمكانية خام، فقط بقدر ما تبدأ في التنظيم باعتبارها طبقة مستقلة عن الطبقات الأخرى.

يبدأ تاريخ الحركة العمالية مع النقابات، التي تمثل التنظيم الأساسي للطبقة العاملة، والتي هي «ليست فقط ظاهرة طبيعية، بل أيضا ضرورية في ظل الرأسمالية و... وسيلة هامة للغاية لتنظيم الطبقة العاملة في نضالها اليومي ضد الرأسمالية ولإلغاء العمل المأجور». لكن وبمجرد تأسيسها لا يمكن للنقابات أن تحصر مجال نشاطها في المطالب الاقتصادية، بل تميل حتما إلى الانتقال إلى النضال على الصعيد السياسي. إن الأمر يتعلق هنا ليس بنضالات متفرقة لمجموعات فردية من العمال ضد أصحاب العمل، بل بنضال البروليتاريا ككل ضد الطبقة البرجوازية ككل وضد دولتها. بحكم الضرورة تدخل البروليتاريا وحزبها في اتصال مع طبقات أخرى، الفلاحين والطبقة الوسطى، ويكون عليها إقامة علاقات عمل مع مجموعات أخرى، لكنها تقوم بذلك انطلاقا من وجهة نظر مصالحها المستقلة باعتبارها طبقة. إن دورها، في الواقع، هو أن تضع نفسها على رأس جميع الطبقات المضطهدة والمستغلة الأخرى لإجراء تحويل جذري في المجتمع. وكما كتب لينين: «وحده حزب الطبقة العاملة المستقل من يمكنه أن يكون بمثابة حصن قوي في الكفاح ضد الاستبداد، وفقط من خلال التحالف مع هذا الحزب، فقط من خلال دعمه، يمكن لجميع المكافحين الآخرين من أجل الحرية السياسية لعب دور فعال»[6].

وهكذا فمنذ البدايات الأولى للحركة في روسيا، تم رسم خط فاصل واضح بين اتجاهين: الأول هو الاتجاه الماركسي الثوري، الذي استند إلى الطبقة العاملة وربط منظور الإطاحة الثورية بالنظام القيصري بالنضال من أجل هيمنة الطبقة العاملة داخل المعسكر الديمقراطي الثوري، وعارض بحزم كل المحاولات الرامية إلى إخضاعها لليبراليين والبرجوازية "التقدمية". والثاني هو التيار الإصلاحي الذي، وفي الوقت الذي كان يتبنى فيه الماركسية بالأقوال، كان يبشر عمليا بسياسة التعاون الطبقي والتبعية لليبراليين. هذا، في جوهره، هو أساس الخلاف بين الماركسيين وبين الاقتصادويين. وقد تكرر نفس الصراع، بأشكال مختلفة، مرات عديدة في تاريخ الحركة الثورية الروسية، وما زال متواصلا، بأسماء مختلفة، لكن بنفس الحجج من حيث الجوهر، حتى يومنا هذا.

إن ما هو مطلوب في الواقع هو تكوين الكوادر الثورية وتثقيفها على قاعدة النظرية والممارسة الماركسية وانخراطها في حركة الطبقة العاملة، بدءا من فئتها الأكثر نشاطا ووعيا. يجب أن يكون التكوين الطبقي للحزب بروليتاريا بشكل حاسم. يمكن للطلاب والمثقفين أن يلعبوا دورا هاما بتخصيبهم للحركة بأفكارهم والمساعدة في نموها، لكن على شرط أن يعملوا على القطع بحزم مع أصولهم الطبقية ويتبنوا، ليس بالكلمات فقط، بل بالممارسة اليومية، وجهة النظر البروليتارية. كانت المشكلة مع الاقتصادويين هي أنهم لم يكونوا يروا وجه البروليتاريا، بل فقط مؤخرتها.

لم يكن من المستغرب على الإطلاق أن تبدأ الحركة في روسيا على يد المثقفين. إن هذا قانون تقريبا، خاصة في حالة روسيا، بالنظر إلى كل تاريخ وظروف الحركة الثورية الروسية خلال عقدي السبعينات والثمانينات [من القرن التاسع عشر]. لكن في ظل الظروف الجديدة، بدأ الوضع برمته يتحول. بدأ جيل جديد من العمال الثوريين يصعدون بسرعة إلى الواجهة، والذين كانوا الخريجين الأوائل "لمدرسة" الحلقات الماركسية لعقد التسعينات [من القرن التاسع عشر]. للمرة الأولى بدأ العمال، في العديد من المجالات، يأخذون تسيير اللجان بين أيديهم. لم يكن ذلك نتيجة، كما يزعم البعض زورا، للنظريات الديمقراطية للمفكرين الاقتصادويين، الذين كانوا، كما سبق لنا أن رأينا، على الرغم من نزعتهم العمالوية، مترددين للغاية في إفساح المجال للعمال في اللجان القيادية، كما كان لينين يطالب. كان ذلك نتيجة إلى الموجة المستمرة من الاعتقالات، التي كانت تبعد باستمرار القادة الأكثر خبرة.

كان الاتجاه السائد في الاشتراكية الديمقراطية، في ذلك الوقت، يتبنى مفهوما مركزيا متشددا للتنظيم، ليس باعتباره نظرية مسبقة للتنظيم، بل بسبب الحاجة إلى تلافي الانفضاح والاعتقال، وهو ما يمثل أهم المتطلبات الأساسية للوجود في ظل نظام بوليسي. كانت كلمة المركز بمثابة قانون، ولم يكن يمكن أن يكون هناك أي مجال للتسيير الديمقراطي العادي. كانت هناك لجنة قيادية مركزية صغيرة، لا تخضع للانتخابات، وتطعم صفوفها عبر الانتقاء. وتحت إشرافها كانت هناك سلسلة من لجان الدعاية والتحريض وجمع الأموال والطباعة، وهلم جرا. في ظل الظروف القائمة آنذاك كان هذا النمط من التنظيم ضرورة قصوى. وحتى ذلك لم يمنع من اختراق المنظمة من قبل عملاء استفزازيين، نجحوا، في كثير من الأحيان، في الحصول على مناصب قيادية في الحزب. ومع ذلك فإنه غالبا ما تمت المبالغة كثيرا في تبني مبدأ المركزية من طرف المثقفين الذين كانوا يهيمنون على اللجان. أصر لينين منذ البداية على ضرورة تدريب كوادر عمالية وترقيتهم إلى الهيئات القيادية. لكن هذا غالبا ما اصطدم مع ضيق أفق وعدم اكتراث الفئة القيادية التي كانت تحرس مواقعها بحرص شديد وفسرت فكرة المركزية بطريقة أحادية الجانب، وكانت تجد دائما مائة سبب لعدم إشراك عمال جدد في اللجان.

تغير الوضع بشكل كامل بفعل موجة من الاعتقالات شهدها النصف الأخير من عقد الثمانينات. وبين عشية وضحاها اضطرت فئة من العمال، الذين لم يسبق لهم أبدا تجربة القيادة، إلى تولي زمام الأمور. يصف العامل بروكوفييف رد فعله على الاعتقال المفاجئ لقادة المنظمة في موسكو عام 1893 قائلا: «كنت مكتئبا ومريضا وأشعر بالخجل. لقد وجدت نفسي فجأة بدون قادة. كانت تلك ضربة رهيبة. عندما أخبرت رفاقي بدأنا نتأوه وجلسنا كما لو كنا في جنازة»، لكنهم بعد ذلك خلصوا إلى أنه: «... ليس هناك من خيار سوى الصمود ومواصلة العمل بأنفسنا. لذلك شرعنا في العمل بمفردنا». وقد طور عمال مثل بابوشكين في سان بيترسبورغ ملكاتهم في هذه الفترة. عندما كان منفيا في ييكاتيرينوسلاف في الجنوب، الذي كان مركزا يغلي بالثورة، أظهر بابوشكين قدرته على قيادة المنظمة دون مساعدة.

أدت الفوضى العامة، إلى جانب التأثير السلبي لأفكار الاقتصادويين، إلى تقسيم المنظمة في العديد من المناطق إلى مجموعتين منفصلتين واحدة للعمال وواحدة للمثقفين. طبقت هذه الطريقة الخاطئة في ييكاتيرينوسلاف، حيث أدت بشكل حتمي إلى خلق الظروف لنمو عدم الثقة والعداء المتبادل. كتب بابوشكين: «أتذكر أن المثقفين كثيرا ما كانوا ينتقدون اللغة غير الراقية للمنشورات [العمالية]، وفي النهاية تم اختصار أحد تلك المنشورات وتغييره بعض الشيء من قبل لجنة "المدينة"، مما أثار اصطداما مباشرا هدد بحدوث انشقاق تام بين العمال والمثقفين»[7]. وبشكل عام فإن تطور الرابطة العمالية بموسكو لم يختلف جوهريا عن تطور رابطة سان بيترسبورغ للنضال، التي شكلت نموذجا لبقية البلاد، والتي ما زلنا نتخذها نقطة مرجعية أساسية لنا. عانت المنظمة في موسكو من سلسلة من الاعتقالات، خاصة بعد 1896، عندما ترأس زوباتوف قسم شرطة موسكو واستفاد من خدمات بعض الخونة للحصول على معلومات عن الرابطة وإرسال عملاء استفزازيين إلى داخلها.

بعد كل موجة من الاعتقالات كانت المنظمة تجدد نفسها بعمال جدد تعلموا في الممارسة العملية الثقة في قدرتهم وابداعهم. وبعد سنوات قليلة، ذكر لينين بحزم "أعضاء اللجان"، الذين ليست لديهم الثقة في قدرة العمال على قيادة الحزب، بأن عمالا مثل بابوشكين قد قاموا بذلك بالضبط في تلك الفترة. لكن على الرغم من ذلك دخل الحزب القرن 20 وهو في حالة سيئة للغاية. بحلول عام 1900 بدا كما لو أن تيار الاقتصادويين قد انتصر بشكل تام. في المنطقة الغربية كانت للاقتصادويين اليد العليا. وفي أوكرانيا أيضا كانت لهم مكانة بارزة. وقد دعمت لجنة كييف فعلا خط الكريدو الأكثر تطرفا بين الاقتصادويين. ومع ذلك فقد كانت هناك دلائل تشير إلى أن الحالة المزاجية بين القواعد قد بدأت تتحول ضد هذا الوضع. بتأثير من عمل بابوشكين الدؤوب، وقفت منظمة ييكاتيرينوسلاف، التي كانت تضم في مطلع القرن العشرين حوالي 24 حلقة مع ما يقارب 200 عامل منخرط فيها، ضد النزعة الإقتصادوية.

في يناير 1900، قامت منظمة ييكاتيرينوسلاف بإصدار جريدة يوجني رابوتشي (العامل الجنوبي). نشرت ما مجموعه 13 عددا حتى أبريل 1903، عندما توقفت عن الصدور. وقفت يوجني رابوتشي ضد الإقتصادوية، لكنها كانت تفتقر إلى أساس نظري صلب بما فيه الكفاية وكانت تسقط في التذبذب. وكنتيجة طبيعية للنزعة الحلقية المحلية والهواية التي كانت سائدة آنذاك، كانت هيئة التحرير تتكون من ممثلي اللجان المحلية الذين لم يكن يجمعهم موقف واحد، وهو الأمر الذي انعكس في تذبذب الصحيفة في الموقف من الصراع بين الإيسكرا وبين التيار الإقتصادوي، على الرغم من أنها اندمجت في النهاية مع الإيسكرا.

ظهر اتجاه مشابه مثلته مجموعة صغيرة تحلقت حول صحيفة بوربا (النضال)، وهي صحيفة أصدرها ديفيد ريازانوف. وإدراكا من لينين للمواهب الأدبية التي يتمتع بها ريازانوف وحرصا منه على تأمين دعمه للإيسكرا وزاريا، فقد عمل كل ما في مقدوره لكي يقنعه بالعمل المشترك، على الرغم من أن مجموعة بوربا لم تكن تقوم بالكثير في الممارسة العملية، وكانت تتألف من مجموعة من المثقفين في باريس. وداخل روسيا لم تنضم إليها سوى لجنة أوديسا. كانت [مجموعة بوربا] مثالا نموذجيا لعصبة مثقفين صغيرة، كان نشاطها يقتصر حصريا على العمل الأدبي، وكانت أفكارها خليطا من أجزاء وقطع مستعارة من التيارات الأخرى، لكن ادعائها الوقوف فوق كل التيارات الأخرى وضعها في واقع الأمر في موقف أقل بكثير من أي منها. تظهر مجموعات مماثلة على السطح باستمرار في تاريخ الحركة الثورية، ودائما ما تلعب دورا مشؤوما، في حالة ما إذا لعبت أي دور أصلا.

محاولة بوربا للعب دور "الوسيط النزيه" بين الإيسكرا ورابوتشييه ديلو أدت على الفور إلى اصطدامها مع التيار الماركسي الحازم. حاول ريازانوف الضغط على الإيسكرا برفضه التعاون معها إلا إذا خففت من انتقادها لرابوتشييه ديلو. لكن عندما لم يكن لهذا الابتزاز أي تأثير، عمل على حل "مجموعة دعم الإيسكرا" في باريس وبدأ يشكو من أن الإيسكرا "قد انتهكت الحياد التنظيمي"[8]. وفي النهاية تخلى لينين عن مهمة كسبه. لم تلعب مجموعة بوربا، على الرغم من ادعاءاتها الكبيرة، أي دور آخر. ففي المؤتمر الثاني لم يتم الاعتراف بها، وسرعان ما حلت المجموعة نفسها. في وقت لاحق عاد ريازانوف للظهور في عام 1909 باعتباره استاذا في مدرسة كابري لكتلة فبريود (إلى الأمام) المتطرفة (والتي ينبغي عدم الخلط بينها وبين جريدة أصدرها لينين بنفس الاسم عام 1904). كان ريازانوف، على الرغم من أخطائه، مثقفا موهوبا بدون شك. وبعد الثورة أصبح مديرا لمعهد الماركسية اللينينية، إلى حين تصفيته، مثله مثل آخرين كثيرين غيره، على يد ستالين.

هوامش:

[1] LCW, What Is To Be Done? vol. 5, p. 349.

[2] مذكور في: Akimov, On the Dilemmas of Russian Marxism 1895-1903.

[3] انظر: لينين: الأعمال الكاملة، المجلد 04، ص ص: 215- 221 و255- 296 [بالانجليزية]

[4] Ibid., pp. 167-182.

[5] النص الكامل لمقال الكريدو منشور في أعمال لينين الكاملة، مقال: احتجاج من طرف الاشتراكيين الديمقراطيين الروس. المجلد 04، ص ص: 171- 174 [الطبعة الانجليزية] - التشديد من عندي آلان وودز-

[6] Ibid., pp. 176-7 and 181.

[7] منقول في: Wildman, op. cit., pp. 93 and 106

[8] LCW, To P.B. Axelrod, April 25, 1901, vol. 34, p. 60.

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا