marxy.com

مؤلفات

كارل ماركس
وفريديريك انجلز

 فلاديمير إيليتش لينين

ليون تروتسكي

تيد غرانت

المغرب

إعلان المبادئ

البرنامج الانتقالي

كتب


البلشفية طريق الثورة

الفصل الأول: ميلاد الحركة الماركسية الروسية

الماركسية الشرعية


Bookmark and Share

آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

توفي الكسندر الثالث يوم 01 نوفمبر 1894، وخلفه ابنه نيقولا الثاني. وبمناسبة زواج العاهل الجديد، في شهر يناير من العام التالي، استجمع ليبراليو الزيمستفو شجاعتهم وقدموا له ملتمسا، في شكل تهنئة، قالوا فيه: «نأمل في أن يكون صوت احتياجات الشعب مسموعا دائما من طرف جلالتكم». لكن رد نيقولا القاطع شكل مثالا كلاسيكيا حقيقيا للإذلال السياسي، حيث قال: «أنا سعيد لرؤية ممثلي كل الطبقات مجتمعين للتعبير عن مشاعر الولاء. وأنا مؤمن بصدق هذه المشاعر التي ميزت دائما كل روسي. لكنني أدرك أنه برزت، في الآونة الأخيرة، في بعض مجالس الزيمستفو، أصوات لأشخاص حملتهم بعيدا أحلام لا معنى لها حول مشاركة ممثلي الزيمستفو في شؤون الإدارة الداخلية. فليكن معلوما للجميع أنني، مع حرصي على تكريس كل طاقاتي لخدمة مصالح الشعب، سوف أحافظ على مبدأ النظام الأوتوقراطي بنفس الحزم وبدون تردد كما كان عليه في عهد والدي».

كان نبلاء الزيمستفو مجبرين على الإنصات بصمت بينما كان دلو المياه الجليدية هذا يسكب فوق رؤوسهم. لم يكلف القيصر نفسه حتى عناء قراءة الخطاب، الذي كلف به خادما له. وقد كتب شاهد عيان قائلا: «خرج ضابط صغير الشأن وفي يده قطعة من الورق. بدأ في الغمغمة بكلام ما، بينما ينظر إلى الورقة من حين لآخر. ثم صرخ فجأة: "أحلام لا معنى لها". هنا فهمنا أننا نتعرض للتوبيخ لسبب ما. حسنا، لكن لماذا يصرخ؟»[1]. وفي مشهد خليق بفنان كبير، قيل إن الإمبراطورة الشابة وقفت صلبة وجامدة ولم تنحن أمام المندوبين وهم يتسللون بصمت. ولم يسمح لروديشيف، مؤلف "عريضة تفير"، حتى بحضور الاستقبال ومنع من العيش في سان بيترسبورغ. تبين هذه الحادثة، أكثر من أية كلمات، العجز المطلق لليبراليين الروس وجبنهم عشية القرن العشرين.

كانت هذه هي السنوات التي انكفأ خلالها المثقفون البرجوازيون على أنفسهم، وانشغلوا بالروحانيات والنزعة الصوفية والمواد الإباحية و"الفن لأجل الفن". وشهد الفن والأدب صعود النزعة الرمزية بإيحاءاتها الباطنية والمدرسة "التجريدية". كل هذا كان مجرد انعكاس ليس فقط لوعكة نهاية القرن عند المثقفين، بل للشعور العام بالمأزق والعجز الذي أعقب انهيار نارودنايا فوليا. وكما سبق لماركس أن لاحظ فإن التاريخ يكرر نفسه المرة الأولى كمأساة والمرة الثانية كمهزلة. وفي نسخة كاريكاتورية مثيرة للشفقة للحركة النارودنية، لبس الشباب الليبراليون ثياب الفلاحين وأصبحوا "تولستويين" [نسبة إلى تولستوي - م-]، يساهمون في الأنشطة الاجتماعية والخيرية للإغاثة من المجاعة وحملات مكافحة الأمية وما شابه ذلك.

خلق تنامي نفوذ الأفكار الماركسية بين المثقفين ظاهرة غريبة. فالنجاحات الباهرة التي حققتها الإيديولوجية الماركسية في النضال ضد النارودنية كانت قد بدأت تثير اهتمام فئة من المثقفين البرجوازيين في الجامعات، الذين استهوتهم الماركسية كنظرية اجتماعية وتاريخية، دون أن يفهموا حقا مضمونها الطبقي الثوري. كانت البرجوازية الفتية تسعى جاهدة لإيجاد صوت لها ولتأكيد مصالحها الخاصة وتقديم مبرر نظري لحتمية التطور الرأسمالي في روسيا. استغلت بعض الأفكار، التي طرحتها الماركسية في النضال ضد النارودنية، بحماس من طرف قسم من مفكري البرجوازية. ولفترة قصيرة من الزمن، تمتعت "الماركسية" في شكل أكاديمي مخصي، برواج معين بين الأساتذة الليبراليين "اليساريين".

في المراحل الأولى، عندما كانت القوى الماركسية صغيرة وتفتقر إلى النفوذ، وكانت الثورة الاشتراكية مجرد صدى لمستقبل يبدو بعيد المنال، بدا وكأن هؤلاء المثقفين الهواة يمثلون اتجاها محددا داخل الحركة الماركسية الروسية . ونظرا للصعوبات الهائلة التي كانت تواجهها الحركة الثورية غير الشرعية، فإنها قبلت خدماتهم بترحاب. لقد قدموا المال وساهموا في نشر الأدب الماركسي، وفي غياب صحافة ماركسية حقيقية، سهلوا نشر الأفكار الماركسية، ولو في شكل مخفف، على صفحات المجلات القانونية في كافة أنحاء روسيا. قدم هذا الوضع بعض الإمكانيات للماركسيين، الذين سمح لهم بالكتابة على صفحات الجرائد البرجوازية القانونية مثل نوفو سلوفو ونشالو (التي ينبغي عدم الخلط بينها وبين نشالو التي أصدرها تروتسكي في عام 1905) وسمارسكي فيستنيك، وذلك دائما شريطة ألا "تذهب بعيدا جدا"، بطبيعة الحال. وبهذه الطريقة نشأ ذلك المسخ الهجين الذي عرف بـ "الماركسية الشرعية"، والتي من أهم ممثليها الرئيسيين كان ب. ب. ستروفه، وم. إ. توغان بارانوفسكي وس. ن. بولغاكوف ون. أ بردياييف.

ب. ب. ستروفه، أحد أهم ممثلي الماركسية الشرعية في روسيا، وهو كاتب بيان المؤتمر الأول للحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي، الا انه قطع علاقته في وقت لاحق مع الماركسية، وفي عام 1905 انضم إلى حزب الكاديت البرجوازي وأنهى حياته مهاجرا أبيضا.

بسبب الرقابة كان على جميع الكتابات الماركسية المبكرة في روسيا أن تخرج على شكل كتاب، مما يجعلها عملية مكلفة. تكلف ستروفه بنشر كتابه من ماله الخاص. كان التعطش للأفكار الماركسية، ولو في شكلها المخفف، كبيراإلى درجة أن كل نسخ الكتاب بيعت في غضون أسبوعين. بوتريسوف، الذي كان قد ورث ثروة، استخدم أمواله لتمويل نشر كتاب بليخانوف "النظرة الأحادية للتاريخ". ونظرا للصعوبات الهائلة للعمل السري، كان من الضروري استغلال كل ثغرة شرعية لنشر الأفكار الماركسية. وما لم يكن من الممكن قوله علنا في المنشورات الشرعية كان من الممكن استكمال شرحه من خلال صحافة الحزب السرية. وهكذا، ولسنوات عديدة، لم يكن في مقدور الماركسيين الروس تسمية أنفسهم باسم "الاشتراكيين الديمقراطيين"، بل كانوا مضطرين عوض ذلك إلى استخدام عبارات مثل "الديمقراطيين الحازمين". لكنهم، كما أشار تروتسكي بعد سنوات عديدة، لم يسلموا من سلبيات ذلك، إذ أن عددا من الأشخاص المرتبطين بالحزب تخلوا عن الماركسية وتحولوا بالفعل إلى "ديمقراطيين حازمين"، بل إن بعضهم لم يكونوا حازمين جدا! لتطوير تيار ماركسي سليم من الضروري قبل كل شيء أن تكون قادرا على تسمية الأشياء بمسمياتها. لم يكن من الممكن إصلاح الضرر الذي تسبب فيه الماركسيون الشرعيون والاقتصادويون إلا من خلال جريدة ماركسية سرية حقيقية. وكان هذا هو الانجاز العظيم لجريدة لينين الإيسكرا (الشرارة).

على الرغم من كل المشاكل فقد كان التعاون مع الماركسيين الشرعيين مفيدا ومرحلة ضرورية لم يكن من الممكن تجنبها في سبيل تطوير الحركة خلال أيامها الأولى. الغالبية العظمى من أولئك الذين تعاملوا مع الماركسية في شبابهم قطعوا في وقت لاحق علاقتهم مع الحركة وانتقلوا إلى جانب الثورة المضادة. لكنهم لعبوا دورا مفيدا في البداية. بعضهم، على الأقل، خضع لتحول حقيقي. لكن الغالبية منهم سرعان ما تعافوا من "فيروس الاشتراكية". كان من السهل عليهم أن يبرروا أوجه القصور في طريقة تعبيرهم بإكراهات العمل الشرعي والحاجة إلى الهروب من الملاحقات والاعتقال وهلم جرا. وطالما كانت المهام الرئيسية للحركة ما تزال ذات طابع نظري، إلى حد ما، وموجهة أساسا ضد النارودنيين أعداء البرجوازية، فإن هذا التعاون تم، في الواقع، بشكل جيد إلى هذا الحد أو ذاك. وقد كان الماركسي الشرعي - ستروفه - هو الذي كتب بيان المؤتمر الأول للحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي!

كانت ماركسيتهم هزيلة وعاجزة، ماركسية "مخصية"، تفتقر إلى الحياة والنضال والحيوية الثورية. وليس من قبيل الصدفة أن الماركسيين الشرعيين رفضوا الديالكتيك لصالح الفلسفة الكانطية الجديدة. وعلى الرغم من مظهر التفرد الذي بدت عليه والدور الخاص نوعا ما الذي لعبته في بدايات الحركة في روسيا، فإن نفس تلك "الماركسية" المجردة وغير الديالكتيكية وغير الثورية تظهر دائما في أوساط الجامعات في جميع البلدان، في كل مرحلة من مراحل تطور الحركة. لقد كانوا [الماركسيون الشرعيون]، في الواقع، مثالا مبكرا على ما أصبح يعرف لاحقا باسم "رفاق الطريق". وعلى الرغم من مغازلتهم الفكرية للماركسية، فإنهم في أسلوب حياتهم ونفسيتهم استمروا ينتمون إلى طبقة عدوة. بعد سنوات عديدة لخص ستروفه عقلية الماركسيين الشرعيين في المقطع التالي: «بصراحة إن الاشتراكية لم تخلق أبدا أية مشاعر داخلي، فبالأحرى أن تجذبني... لقد أثارت الاشتراكية اهتمامي بشكل رئيسي باعتبارها قوة إيديولوجية، قوة... يمكن استخدامها إما للحصول على الحريات المدنية والسياسية أو ضد تلك الحريات».[2]

قد تظهر للوهلة الأولى أفكار الماركسيين الشرعيين الآن ذات أهمية تاريخية فقط. لكن بعد القيام بفحص دقيق يمكن للمرء أن يستشف بالفعل الخطوط العريضة للنزاعات الهامة التي اندلعت لاحقا. تقوم الفكرة الأساسية التي دافع عنها ستروفه وشركائه على ما يلي: الشروط المادية للاشتراكية غائبة في روسيا، التي هي بلد متخلف وشبه إقطاعي؛ والنضال ضد النظام القيصري نضال من أجل الديمقراطية البرجوازية، وليس من أجل الاشتراكية؛ ولذلك ينبغي على حزب العمال أن يضع جانبا كل الأوهام المستحيلة ويعتمد واقعيا على المساعي الحميدة لليبراليين البرجوازيين التدريجيين لإقامة النظام الجديد. وتشبه هذه، في جوهرها، النظريات التي تبناها لاحقا المناشفة والستالينيون (هي، في الواقع، نفس النظرية). كان المفهومان المتناقضان من حيث الجوهر: الثورة أو الإصلاح، التعاون الطبقي أو السياسة البروليتارية المستقلة، قد ظهرا بالفعل في جدالات لينين وبليخانوف ضد الماركسية الشرعية والاقتصادويين في النصف الثاني من تسعينيات القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت لا أحد من الذين كانوا يعتبرون أنفسهم ماركسيين شكك في الفكرة القائلة بأن روسيا كانت عشية ثورة ديمقراطية برجوازية. نبعت هذه الفكرة من مجمل الوضع الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي. كان الصراع الرئيسي ضد الاستبداد، ضد الهمجية الإقطاعية وضد ميراث "الثقافة البيروقراطية والقنانة"، كما وصفها لينين لاحقا. كان حجر الزاوية في حجة الماركسيين ضد النارودنيين هو على وجه التحديد حتمية المرحلة الرأسمالية واستحالة مسار مستقل خاص "لاشتراكية الفلاحين" في روسيا.

بالنسبة للماركسيين الشرعيين تحول منظور الثورة الاشتراكية إلى احتمال نظري ضبابي ينتمي إلى وقت ما في المستقبل البعيد. وكان هذا المنظور آمنا للغاية، وعمليا لم يكن يلزمهم بشيء. بالنسبة لهم كان الجانب الثوري للماركسية يبدو غير واقعي تماما، في حين بدت لهم الحجج الاقتصادية عن النصر الحتمي للرأسمالية في روسيا أفكارا عملية جدا. تتضمن كتابات إنجلز التي ألفها في أواخر حياته، وعلى وجه الخصوص مراسلاته مع زاسوليتش والماركسيين الروس الآخرين، نقدا عميقا بارعا لهذا التصور الميت البعيد عن الماركسية الثورية الحقيقية. ففي الوقت الذي أكد استحالة بناء الاشتراكية في بلد فلاحي متخلف مثل روسيا، شدد انجلز على الحاجة إلى الإسقاط الثوري الديمقراطي للحكم المطلق، وهو ما سيفتح الطريق أمام الثورة الاشتراكية في أوروبا الغربية. وفي خاتمة كتاب "حول العلاقات الاجتماعية في روسيا"، الذي كتبه عام 1894، طرح انجلز المسألة على هذا النحو:

«سوف تعطي الثورة الروسية كذلك دفعة جديدة للحركة العمالية في الغرب وتخلق لها شروطا جديدة وأفضل للصراع، وبالتالي ستدفع عجلة انتصار البروليتاريا الصناعية الحديثة، وهو النصر الذي بدونه لا يمكن لروسيا الحالية، سواء على أساس مجتمع [القرية] أو على أساس الرأسمالية، أن تحقق التحول الاشتراكي للمجتمع»[3]. وبتطبيق رائع للديالكتيك بين إنجلز كيف أن انتصار الاشتراكية في الغرب سيؤثر بدوره على روسيا وسيمكنها من الانتقال مباشرة من الظروف شبه الإقطاعية إلى الشيوعية. يقف هنا الديالكتيك الثوري، مقابل منطق "التطور" الصوري، حيث السبب يصير نتيجة والنتيجة تصير سببا. الثورة الروسية، حتى على أساس الديمقراطية البرجوازية، سوف تحرض الثورة البروليتارية الأوروبية والتي بدورها ستؤثر على روسيا لإنتاج تحول اجتماعي جذري. سوف يمكن انتصار الثورة الاشتراكية في الغرب العمال والفلاحين الروس من إنجاز الثورة البروليتارية في روسيا والشروع في التحويل الاشتراكي للمجتمع. في ظل هذه الظروف لن تكون مستبعدة، من الناحية النظرية، تلك الفكرة النارودنية القديمة عن التحول من الكومونة القروية إلى الشيوعية.

لم يتمكن ستروفه أو طوقان- بارانوفسكي أبدا من فهم هذه الصيغة الجريئة، بسبب تصورهم المجرد الذي يمثل صورة كاريكاتورية جامدة وميكانيكية للماركسية. تذكر كروبسكايا في مذكراتها أن ستروفه "كان هو أيضا اشتراكيا ديمقراطيا في ذلك الوقت"، لكنها تضيف أنه «كان عاجزا تماما عن القيام بأي عمل داخل المنظمة، ناهيك عن العمل السري، لكنه كان يسعد، بدون شك، بأن يقدم النصائح»[4]. هذه الأسطر القليلة تشرح بأمانة جوهر تلك الفئة من البرجوازيين والمثقفين أبناء الطبقة الوسطى الذين"سافروا" مع الحزب، معتبرين أنفسهم جزءا منه، لكنهم لم يكونوا أبدا كذلك، وكانوا دائما يضعون قدما في المعسكر الآخر. وعبر هذه الفئة كان ضغط الطبقات الأخرى يمر، دون وعي أو بشكل نصف واع، إلى داخل الحزب، وهو ما كانت له نتائج وخيمة على قوى الماركسية الشابة وغير الناضجة بعد.

مال ستروفه، لبعض الوقت، إلى اليسار نتيجة للحركة العامة للمثقفين في اتجاه الماركسية تحت ضغط الطبقة العاملة في الفترة العاصفة لسنوات التسعينات. كما أن النقد الإيديولوجي الحازم من طرف لينين وبليخانوف لعب أيضا دورا في ذلك. ليس هناك شك في أن النقد الذي وجهه ستروفه للبرجوازية الروسية في البيان الذي كتبه للمؤتمر الأول قد كان صدى للنقاشات الحادة مع لينين قبل بضع سنوات:

«وما الذي لا تحتاجه الطبقة العاملة الروسية؟ إنها محرومة تماما مما تستفيد منه نظيراتها في الخارج بحرية وبشكل سلمي، أي: المشاركة في تسيير الدولة وحرية التعبير والصحافة وحرية تكوين الجمعيات والتجمع، وبكلمة واحدة كل تلك الأسلحة والوسائل التي تستخدمها البروليتاريا الأوروبية الغربية والأمريكية لتحسن موقفها في الوقت الذي تكافح من أجل تحررها النهائي ضد الملكية الخاصة والرأسمالية من أجل الاشتراكية. لكن البروليتاريا الروسية لا يمكنها أن تحقق الحرية السياسية التي تحتاجها إلا بالاعتماد على نفسها فقط.

كلما توغلت نحو شرق أوروبا، كلما وجدت البرجوازية أكثر ضعفا وأكثر جبنا وانحطاطا في المجال السياسي، وكلما ازداد حجم المهام الثقافية والسياسية التي تقع على كاهل البروليتاريا. يجب على الطبقة العاملة الروسية أن تحمل على أكتافها القوية قضية الفوز بالحرية السياسية. هذه خطوة ضرورية، وإن كانت الخطوة الأولى فقط، نحو تحقيق المهمة التاريخية العظيمة للبروليتاريا، نحو خلق نظام اجتماعي لن يكون في ظله أي مجال لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان».[5]

مثله مثل العديد من المثقفين رفاق نصف الطريق، لم يتمكن ستروفه أبدا من فهم الديالكتيك. هذا الضعف النظري الأساسي، إلى جانب ميل أبناء الطبقة الوسطى المعتاد إلى الراحة والملذات وحبهم للحياة الرغدة إضافة إلى العجز العضوي عن التضحية الشخصية، هو ما يفسر تطوره اللاحق. قطع ستروفه في وقت لاحق مع الماركسية وفي عام 1905 انضم إلى حزب الكاديت البرجوازي وأنهى أيامه مهاجرا أبيضا. وانتهى بيردياييف مدافعا عن التصوف الديني وعرف آخرون تحولا مماثلا. إن بيان ستروفه الذي كتبه سنة 1898 يمثل إدانة قاسية للبرجوازية الروسية، مما يشكل رثاء مناسبا سواء لستروفه أو لظاهرة الماركسية الشرعية بشكل عام.

هوامش:

[1] كلا الاستشهادين من: Slavonic and East European Review, vol. xxii, no. 34, p. 350

[2] Ibid.

[3] Marx and Engels, Selected Works, vol. 2, p. 410

[4] Krupskaya, Reminiscences of Lenin, pp. 29-30.

[5] KPSS v rezolyutsiyakh i resheniyakh s’yezdov. Konferentsii y plenumov tsk, vol. 1, p. 15 (التشديد من عندي أ. وودز)

عنوان النص بالإنجليزية:

Bolshevism: The Road to Revolution

الصفحة التالية

الفهرس

الصفحة السابقة


أعلى الصفحة

  الصفحة الرئيسية


التيار الماركسي الأممي


اقتصاد وعولمة


المرأة والماركسية


ثقافة وفن


الفلسفة والعلم


Audio & Video


حملات تضامنية


تاريخ وتحليلات نظرية


إفريقيا


آسيــا


أوروبا


الشرق الأوسط


أمريكا الشمالية


أمريكا اللاتينية


مواقع أممية


هدفنا


إتصل بنا